هل سقوط عقيدة باول وقاعدة السنوات العشر صيَّر حرب إيران تحدياً للاستراتيجيات الأمريكية التقليدية؟
أثارت الحرب التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب ضد إيران جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والاستراتيجية، بما أعاد إلى الواجهة نقاشات حول مدى ملاءمة “عقيدة باول” و”قاعدة السنوات العشر” في توجيه السياسة العسكرية الأمريكية المعاصرة. تعود جذور عقيدة باول، التي ابتكرها الجنرال كولن باول، إلى ضرورة الالتزام بعدة شروط قبل الانخراط في أي حرب، منها حماية مصالح حيوية مع أهداف واضحة ومحددة، بضمان موارد كافية، مع وجود دعم شعبي ودولي واستراتيجية خروج محكمة وقوة حاسمة تضمن الانتصار. وعلى عكس هذا الإطار، أسهمت حرب إيران التي اتبعت نهج حكومة ترمب في تجاوز تلك المبادئ بشكل واضح، حيث شنت الحرب دون تفويض واضح من الكونغرس، وبدون أهداف محددة وثابتة، أو خطة واضحة للخروج، مع تجاهل واضح لمشاركة الحلفاء، الأمر الذي بدد الدعم الدولي وضعف الموقف الأمريكي الاستراتيجي. بدلاً من الاعتماد على توقعات الحروب القصيرة السريعة المقتصرة، أظهرت الحرب تعقيدات نادرة في توسيع الأهداف الأمريكية لتشمل تدمير البرنامج النووي الإيراني والسيطرة الإقليمية وربما تغيير النظام، من دون الاستعداد والموارد الملائمة، ما أدى إلى تصعيد الصراع وفتح أمد الحرب. وينعكس هذا الفشل أيضًا في الافتقار لدعم شعبي وبرلماني، حيث أظهرت استطلاعات الرأي تراجع التأييد للحرب، وازدياد المعارضة لها، مما يعكس أزمة شرعية سياسية داخليًا. مقارنة بذلك، يوضح المحلل الأمريكي كريستوفر كارول في مجلة ناشونال إنترست أن حرب إيران كشفت عن زعزعة “قاعدة السنوات العشر”، وهي قاعدة ضمنية في التخطيط الدفاعي تفترض الحروب قصيرة الأمد مع استخدام التكنولوجيا لتعويض نقص الكميات. هذه القاعدة وضعت بعد تجربة بريطانيا بين الحربين العالميتين وأدت إلى تقليص الموارد الدفاعية، لكن حرب إيران أظهرت أن هذه الافتراضات لم تعد صالحة، خصوصًا مع تزايد التعقيد والتكلفة والاحتفاظ بنفوذ إيراني قوي في المنطقة رغم الضربات الأمريكية. من هنا، تدعو المقالات إلى ضرورة إعادة النظر الجذرية في الاستراتيجيات العسكرية والتخطيط الدفاعي الأمريكي، مع ضرورة دعم كونغرس نشط يقوم بدوره الرقابي عبر تفويض واضح وقوانين تحد من تمويل العمليات العسكرية التي تفتقر إلى خطة واضحة وأهداف قابلة للتحقيق. يبرز التقرير أن الالتزام المبكر بمبادئ عقيدة باول كان ليجنب الولايات المتحدة كثيرًا من الأخطاء والتدهور في الموقف الإستراتيجي، خاصةً إذا ما تم العمل على بناء دعم دبلوماسي وحلفي متين وتفعيل استراتيجيات الخروج، بدلًا من الانخراط في صراعات مفتوحة بلا نهاية ومن دون أهداف واضحة. في خاتمة الأمر، تشير التقييمات إلى أن استمرارية أعمال العنف محدودة النطاق والمفاوضات غير الحاسمة قد تضعف من موقع الولايات المتحدة الدولي، وأهمية إدراك القيود السياسية والعسكرية الراهنة ضرورة قصوى لاستشراف مستقبل العلاقة مع إيران والمنطقة بأسرها.

اترك تعليقًا