لماذا لم يعد هناك انتصار مطلق في الحروب الحديثة؟
في 12 أكتوبر 2023، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده ستحقق “النصر المطلق” في حربها على غزة، وهو تعبير يتكرر في خطاباته منذ اندلاع الصراع. ولكن على أرض الواقع، لم يتحقق أي انتصار حاسم في العديد من النزاعات الحديثة، مثل الحرب الروسية على أوكرانيا أو المواجهة مع إيران، حيث ارتبط النصر بمفاهيم مختلفة عن تلك التقليدية.
تاريخياً، ارتبط مصطلح النصر المطلق باستسلام الأعداء بدون شروط كما حدث في الحرب العالمية الثانية مع استسلام ألمانيا النازية واليابان، مما شكل نموذجاً صار معياراً للحروب المستقبلية. إلا أن الباحث في الدراسات الإستراتيجية كولن غراي أوضح أن هذا النموذج استثنائي وأن حروب القرن الواحد والعشرين تميل إلى أن تكون صراعات استنزاف طويلة تستمر دون حسم.
الحرب الروسية على أوكرانيا مثال واضح حيث لم ينجح أي طرف في القضاء على إرادة الطرف الآخر بعد سنوات من القتال. والحرب الإسرائيلية على غزة ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي، لم تؤد إلى حسم سياسي للصراع. وهذا يعكس محدودية التفوق العسكري وحده في تحقيق الأهداف النهائية للحرب.
وجدير بالذكر أن المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز أكد أن الحرب أداة لتحقيق هدف سياسي، وأن النصر الحقيقي هو ذلك الذي يخدم الهدف السياسي. لذلك، يجب التفريق بين الانتصار العسكري والنجاح السياسي، مع العلم أن النجاح الإستراتيجي الحقيقي هو الذي يحقق الأهداف السياسية التي شنت الحرب من أجلها.
تجارب مثل فيتنام والعراق وأفغانستان أظهرت أن التفوق العسكري لا يكفي لكسر الإرادة السياسية للخصم، إذ أن حركات المقاومة واستمرار النزاعات تعقّدت بدعم داخلي وخارجي.
في ضوء ذلك، يلقي هذا التحليل الضوء على ضرورة إعادة النظر في مفهوم النصر في الحروب الحديثة، وإدراك أن “النصر المطلق” قد لا يكون هدفاً واقعياً بل شعارات خطابية تتناقض مع تعقيدات الصراعات الحديثة.

اترك تعليقًا