بعد 6 سنوات من توقيعه.. مستقبل اتفاق جوبا للسلام في السودان بين التعثر وحرب البلاد
بعد مضي ست سنوات على توقيع اتفاق جوبا للسلام في السودان، يواجه هذا الاتفاق تحديات وتعقيدات تعيق تحقيق أهدافه، بعدما كان يعتبر منصة مركزية لإنهاء النزاعات في إقليم دارفور ومناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق. في مقابلات وتصريحات مختلفة، أقرّ عدد من الأطراف الموقعة على الاتفاق أن ما تم تنفيذه لا يتعدى الحد الأدنى، مشيرين إلى أن التحالف بين المكون العسكري والقوى المدنية في الحكم الانتقالي ساهم في تعثر تنفيذ الاتفاق، قبل انفضاض شراكتهما في أكتوبر 2021.
ويُلاحظ أن اندلاع الحرب التي استمرّت لأكثر من ثلاث سنوات أثرت بشكل كبير على موقف الحركات المسلحة التي وقعت على الاتفاق، وأدت إلى انشقاقات وتحالفات جديدة، أبرزها انضمام بعض قادتها إلى تحالفات عسكرية أخرى مثل تحالف التأسيس بقيادة قوات الدعم السريع. كما أدت التغيرات المتلاحقة إلى تعقيد المشهد السياسي والعسكري الذي يخدم بشكل محدود أي مسار سلام متماسك.
من جهة أخرى، ترى قوى سياسية ومحللون ضرورة مراجعة الاتفاق ضمن مبادرات الحوار الوطنية المرتقب، لتلافي استمرار الصراعات وتجنّب تحويل المكاسب السياسية المؤقتة إلى محاصصات وجهوية دائمة. وتؤكد تقديرات ميدانية أن هذا الاتفاق لا يمكن اعتباره وثيقة فاصلة بحد ذاتها في ظل الحرب الحالية، بل قد يُعاد استخدام بعض بنوده كمرجعية في تسويات مستقبلية بعد انتهاء أزمات البلاد.
يمثل اتفاق جوبا على أن سلام السودان يكون شاملاً ومتعدد الأبعاد، بما يشمل توزيع عادل للسلطة والثروة، وسياسات حماية لكافة المناطق المتنازع عليها، وحقوق اللاجئين والنازحين، ودمج المقاتلين في القوات النظامية. ورغم الإشادة من البعض بتحقيق نحو 80% من أهدافه قبل انطلاق الحرب بالخرطوم، فإن التنفيذ الكامل ظَل مرتبطاً باستقرار وتوافق سياسي شامل بعيد الحرب.
وشدد المتحدث الرسمي لحركة العدل والمساواة على ضرورة تقييم الاتفاق ضمن ظروف التنفيذ، مؤكداً أنه مشروع يتجاوز تقاسم السلطة إلى معالجة جذور الأزمة السودانية. في المقابل، يرى خبير فض النزاعات صالح أبو عمر أن الصيغة القديمة لاتزال بحاجة إلى مراجعة جوهرية، واعتبر أن نظام توزيع السلطة القديم لا يتناسب مع الواقع الجديد، ودعا إلى تفاوض وطني موسع لتجاوز المحاصصات.
في المجمل، يشير الملف السوداني الحالي إلى أن مستقبل اتفاق جوبا مرهون بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والعسكريين على تحقيق استقرار حقيقي، وأن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب حواراً وإعادة هيكلة للاتفاق لضمان سلام مستدام، يحقق نهوض البلاد ويرتقي إلى تطلعات شعبها في السلام والعدالة والتنمية.

اترك تعليقًا