قنابل غارقة وسموم متسربة: أزمة التلوث البيئي في بحار ألمانيا
تحولت الذخائر العسكرية الغارقة في بحار ألمانيا من خطر انفجاري محتمل إلى أزمة بيئية تصاعدت مع مرور الزمن بفعل تآكل أغلفتها المعدنية. بعد الحرب العالمية الثانية، رمت قوات الحلفاء كميات هائلة من الأسلحة مثل الألغام والقنابل في مياه ألمانيا كطريقة للتخلص منها. على مدى العقود الماضية، ظلت هذه الذخائر تهدد البيئة البحرية من خلال تسرب مركبات كيميائية خطرة إلى الماء والكائنات التي تعيش فيه.
حسب أستاذ علم السموم إدموند ماسر من جامعة كيل، تتضمن هذه المخلفات مواد كيميائية سامة مثل ثلاثي نترو التولوين (TNT)، وهو مادة متفجرة لكن مع تآكل الذخائر تتحلل هذه المواد إلى مركبات تؤثر ضارّة على الكائنات البحرية والإنسان. وأظهرت دراسات عدة وجود مركبات متفرعة عن مادة TNT في أسماك الداب وبلح البحر، حيث تم رصد اضطرابات وتشوهات في كبد العديد من الأسماك التي تعيش قرب مواقع الإغراق، فضلاً عن علامات إجهاد أكسدي في بلح البحر.
ويشير فريق الباحثين إلى أن هذه المواد وصلت إلى حيوانات مفترسة في قمة السلسلة الغذائية مثل الحيتان التي جنحت على الشواطئ، ما يعكس عمق المشكلة وانتشار التلوث. بالرغم من أن التعرض البشري الحالي لمثل هذه المركبات محدود ويحتاج إلى كميات كبيرة من استهلاك الأسماك ليشكل خطراً، فإن تزايد مستوى التلوث بفعل استمرار تآكل الذخائر قد يرفع من المخاطر الصحية المستقبلية على المستهلكين.
تعود المشكلة لتكون أكثر حدة في بحر البلطيق بسبب ضعف التيارات المائية وضعف تجدد المياه، مما يسمح للملوثات بالبقاء لفترات أطول بالمقارنة مع بحر الشمال. وفي محاولة لمواجهة هذه الأزمة، بدأت ألمانيا مؤخراً في تنفيذ مشاريع لإزالة هذه الذخائر بشكل منهجي، رغم وجود تحديات في تحديد مواقع الملايين من الأطنان من الأسلحة الغارقة والتخلص الآمن منها.
وصرح الباحث تورستن فراي بأن التخلص من الذخائر الملتقطة يمثل حالياً التحدي الأبرز بعد النجاح في انتشالها، إذ تعمل ألمانيا على إنشاء منشآت بحرية خاصة لمعالجة الذخائر آمنًا. وفي ظل عملية بطيئة وشاقة لإزالة هذه المخلفات، يواصل الباحثون دراسة إمكانية استخدام بعض الكائنات البحرية لتفكيك المواد الكيميائية السامة. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أهمية الإسراع في عمليات الإزالة قبل أن تتدهور الأغطية المعدنية تماما ويصبح استخراج التلوث المستمر مسألة مستحيلة، مما يهدد البيئة البحرية وصحة الإنسان على المدى البعيد.

اترك تعليقًا