الفيلق الأفريقي: اختبار مالي لنموذج روسيا الأمني في مواجهة التمرد
في خضم الصراع المتواصل في مالي، يستمر الوجود الروسي عبر شركة فاغنر الخاصة للدعم العسكري منذ عام 2021، حيث تلعب دوراً محورياً في تعزيز الجيش المالي ضد توسع الجماعات الإسلامية المسلحة، خصوصاً جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. بدأت العلاقة عندما عرضت روسيا خدماتها للجيش المالي الذي وصل إلى السلطة عقب انقلاب عسكري برئاسة أسيمي غويتا، في وقت انسحبت فيه القوات الغربية تلبية لشروط عودة حكومة مدنية، ما فتح الباب أمام موسكو لتعزيز نفوذها.
الوجود الروسي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، فهو يتضمن استغلال الموارد الاقتصادية مثل الذهب والليثيوم، مما يعزز مكانة موسكو السياسية ويمنحها أدوات نفوذ في مالي والمنطقة. وبالرغم من الدعم العسكري الذي ساعد في استعادة مناطق شمالية، إلا أن الجماعات المسلحة لم تخف وتيرة توسعها وهاجمت عدة مدن وقرى، ما أسفر عن سقوط آلاف القتلى المدنيين والعسكريين.
بالرغم من تصريحات موسكو الإيجابية حول الوضع، تكشف بيانات منظمات مستقلة عن صورة مغايرة تشمل تصاعد العنف والدمار، حيث وثقت مئات الضحايا المدنيين وتشريد أعداد كبيرة من السكان. محللون يرون أن تدخل روسيا أدى إلى منع انهيار أسرع للجيش والسلطة لكنه ساهم أيضاً في تفاقم الوحشية في الصراع.
بالإضافة إلى مواجهة الجماعات المسلحة، يتهم عدد من السكان والباحثين القوات الروسية وقوات الجيش المالي بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، منها حالات اغتصاب. هذا الواقع أدّى إلى زيادة تأييد بعض المجتمعات المحلية للجماعات المسلحة التي باتت تقدم نوعاً من السيطرة والنظام في غياب سيطرة الدولة.
يعتبر هذا الصراع بمثابة تجربة روسية لاختبار نموذج أمني معتمد على القوة وحماية المصالح الاقتصادية والسياسية، وليس بالضرورة تحقيق استقرار شامل. فوفق خبراء، تعتمد روسيا بشكل رئيسي على حماية المجلس العسكري المالي والمناجم الغنية، ما يرسخ التعاون بين موسكو وباماكو ويجعل فصلهما تحدياً كبيراً. فشل روسيا في هذا الاختبار قد يمنعها من توسيع نفوذها بقوة مماثلة في أفريقيا مستقبلاً، مما يجعل مستقبل “الفيلق الأفريقي” الروسي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بما يحدث في مالي.

اترك تعليقًا