رحلة تأميم قناة السويس: نضال نصف قرن صنع لحظة تاريخية غيرت مصر والمنطقة
تُعتبر لحظة إعلان تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 من أهم اللحظات السياسية في تاريخ مصر والمنطقة، لكنها ليست نتيجة قرار ارتجالي كما قد يُصوَّر أحياناً، بل تتويج لمسيرة طويلة من النضال الوطني. بدأت هذه المسيرة منذ العام 1910 حين رفض المصريون تمديد امتياز شركة قناة السويس الفرنسية حتى عام 2008، وتحول موضوع القناة من مجرد مرفق دولي إلى رمز سيادة وطنية مصرية.
تأتي في مقدمة تلك المسيرة مقاومتان؛ الأولى سياسية وقانونية قادها الزعيم الوطني محمد فريد، الذي نظم حملات شعبية وبرلمانية ضد تمديد الامتياز، وطالب باسترداد ملكية القناة بالكامل للدولة المصرية مع تعويض المستثمرين، وهي أول دعوة تأميم صريحة في التاريخ الحديث لمصر. والثانية ميدانية قادتها مدن القناة نفسها، حيث قويت المقاومة المسلحة والاقتصادية باعتبار أن القناة تمثل خطاً استراتيجياً حيوياً للتحرير الوطني.
مرحلة الاحتلال البريطاني التي بدأت عام 1882 شهدت تدخلاً مباشراً وحضوراً عسكرياً وبريطانيا كانت تسعى إلى تثبيت هيمنتها عبر بروتوكولات مثل “برنامج لندن” عام 1883 الذي أتى بإشراك بريطانيا في مجلس إدارة الشركة، ومحاولات مستمرة لتمديد فترة الامتياز مما أثار توترات وطنية كبيرة.
وقد تصاعدت ردود الفعل الشعبية والسياسية مع كشف تفاصيل مشروع تمديد الامتياز في 1909 واندلعت احتجاجات حادة جعلت القضية مركزياً للجدل السياسي، وأسفرت احتجاجات الغضب أحياناً عن عمليات اغتيال بارزة بحق رموز موالية للاستعمار، كما حدث مع رئيس الوزراء بطرس غالي.
بعد عقود من هذه المقاومة، وأثناء فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، استغل الأخير الظروف الدولية والداخلية لإعلان تأميم القناة، مؤكداً أن قناة السويس ملكية للشعب المصري وأن السيطرة الأجنبية عليها انتهت، وقد غيّر هذا القرار وجه القوة في المنطقة، وترك أثراً عميقاً في تاريخ مصر الحديث وحركات التحرر في باقي الدول.
بهذا المعنى، كان إعلان تأميم القناة عام 1956 تتويجاً استراتيجياً لنصف قرن من النضال الذي تداخلت فيه السياسة والشعب والقانون، مانحاً مصر والشرق الأوسط لحظة وطنية تاريخية ذات أبعاد سياسية واقتصادية ودبلوماسية واسعة.

اترك تعليقًا