تعثر وقف النار وإعادة إعمار غزة: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية والتكتيكية
بعد عام كامل على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال ساحات الصراع تشهد تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا يوميًا، مشكّلة واقعًا مأساويًا للسكان المدنيين في القطاع الفلسطيني. إذ تواصل إسرائيل عمليات القصف واستهداف قيادات حركة حماس، مع سيطرة هيمنة على نحو 70% من مساحة القطاع. وفي هذا السياق، يُشير الكاتب والصحفي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، علي واكد، إلى بُعدين رئيسيين يتحكمان في السياسة الإسرائيلية الراهنة تجاه غزة: البُعد الاستراتيجي البعيد المدى والبُعد التكتيكي القريب.
على الصعيد الاستراتيجي، يعود استفادة إسرائيل من الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي يُغذي حالة من التمزق السياسي، يمنح تل أبيب ذرائع لرفض إطلاق مفاوضات سلام شاملة مع الفلسطينيين، بحجة غياب طرف فلسطيني موحد. أما في البُعد التكتيكي القريب، فتُبرر إسرائيل توسيع نطاق سيطرتها العسكرية داخل غزة برفض حماس نزع سلاحها، وتحميلها مسؤولية المماطلة في تنفيذ أي اتفاق سلام، وهو ما يصعب من عملية إعادة الإعمار ويطيل أمد التصعيد.
ومن جانبها، لا تسهل حركة حماس عملية تسليم إدارة القطاع، مما يخلق حالة من الجمود السياسي والعملي داخل غزة. ويخلص واكد إلى أن هذه التوازنات المأزومة تظل، رغم تداعياتها السلبية على السكان، الأكثر ملاءمة من الناحية السياسية لكل من حكومة إسرائيل وقيادة حماس، حيث تحافظ إسرائيل على سيطرتها العسكرية، وتحفظ حماس شرعيتها السياسية كحاكمة وحيدة للقطاع.
في السياق الدّاخلي الإسرائيلي، يُعد الخطاب التحريضي ضد قيادات حماس، ولا سيما التهديد باغتيال خليل الحية، جزءًا من الاستهلاك الانتخابي لتحسين صورة الحكومة بعد إخفاقات في الجبهات السياسية والاقتصادية، كما يشير واكد إلى تأثير الضغط الأمريكي على إسرائيل بعدم إحداث تغييرات جذرية قبل الانتخابات، حفاظًا على مواقف بنيامين نتنياهو السياسية.
بذلك، يظهر واقع غزة كمنطقة نزاع مستمر بسبب حسابات سياسية واستراتيجية معقدة بين الأطراف، والتي تعيق جهود وقف التصعيد وإعادة الإعمار، وتفضح صعوبة التوصل لحلول سلمية في غياب توافق سياسي إقليمي ودولي مستدام.
