الاقتصاد الألماني ينتعش مؤقتًا وسط تحديات هيكلية عميقة
يشهد الاقتصاد الألماني في الوقت الراهن انتعاشًا واضحًا مدعومًا بعدة عوامل اقتصادية محلية وعالمية، إلا أن هذا الانتعاش ينطوي على قواعد غير مستقرة تحفها تحديات هيكلية عميقة. وفقًا لتقرير حديث من معاهد بحثية ألمانية مختصة، فإن الطلب العالمي، خصوصًا في مجالات المنتجات الكيميائية المشتقة من النفط والغاز الطبيعي، ساهم بشكل كبير في دعم صادرات ألمانيا، لا سيما مع تراجع منافسين بسبب إغلاق مضيق هرمز. كما استفاد الاقتصاد الألماني أيضًا من الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطوير مراكز البيانات، حيث تقدم الشركات الألمانية تجهيزات وخدمات حيوية لهذا القطاع المتنامي.
رغم هذه المكاسب، يعترف الخبراء بأن هذا الانتعاش لن يستمر على المدى الطويل؛ إذ يتوقعون نموًا معتدلاً لا يتجاوز 0.4% لعام 2028، محذرين من تراجع قوى النمو مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، ونقص العمالة الماهرة، والشيخوخة السكانية، بالإضافة إلى ضعف الاستثمارات في القطاع الخاص. ويشير التقرير إلى أن الحكومة الألمانية تلعب دورًا رئيسيًا في دعم الاقتصاد من خلال الإنفاق الضخم على تحديث البنية التحتية وتسليح الجيش، ما خلق طلبات وأمان وظائفي قصير الأمد، لكنه ممول بشكل رئيسي من الديون مما يرفع عجز الميزانية وتكاليف خدمة الدين.
من بين المشاكل الهيكلية الرئيسية التي تواجه ألمانيا شيخوخة السكان ونقص القوى العاملة، وهو ما يدعو إلى ضرورة الانفتاح على هجرة العمالة الماهرة. لكن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا الذي يحمل مواقف يمينية متطرفة يسبب قلقًا بشأن تأثيره السلبي على جذب المهاجرين، ويؤكد الباحثون على أهمية سياسات هجرة منفتحة للحفاظ على نشاط سوق العمل.
القطاع الخاص يعاني من غياب الثقة والوضوح في السياسات الاقتصادية، ما يثني المستثمرين عن ضخ استثمارات جديدة. ويطالب الاقتصاديون بإصلاحات هيكلية عاجلة تشمل تقليل الأعباء البيروقراطية، وخفض التكاليف، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز حوافز العمل خاصة لكبار السن. كما ينتقد الخبراء القرارات الأخيرة مثل خفض أسعار الوقود التي اعتبروها تدبيرًا مكلفًا وغير فعال من الناحية الاقتصادية، حيث تقضي على الحاجة لتخفيض الطلب على الطاقة في ظل ندرة الإمدادات.
في الختام، يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الألماني يمر بمرحلة انتقالية مهمة تتطلب رؤية واضحة وسياسات إصلاحية حازمة وإدارة مالية رشيدة لإمكان استمرار النمو وتعزيز المنافسة والابتكار، مع ضرورة معالجة التحديات الهيكلية لضمان استدامة التعافي الاقتصادي.
