الحرب في جنوب لبنان تغتال مملكة النحل وتأثر على البيئة والزراعة
تسببت الحرب الإسرائيلية في جنوب لبنان في تأثيرات واسعة تجاوزت الأضرار البشرية والمادية لتشمل البيئة والنظام البيئي المحلي، ولا سيما قطاع تربية النحل، الذي يعرف باسم “مملكة النحل” بسبب أهميته وحساسيته. منذ اندلاع الحرب، لم يتمكن مئات النحالين من الوصول إلى مناحلهم الواقعة جنوب نهر الليطاني، وهو ما وضع آلاف خلايا النحل في وضع خطير من دون رعاية أو علاج. الإجراءات العسكرية وفرض ما يعرف بـ”الخط الأصفر” جعلت الوصول إلى هذه المناحل شبه مستحيل، مما تسبب في توقف الحركة المعتادة للمربين الذين يعتمدون على التنقل الموسمي بين المراعي.
اعتمد العديد من مربي النحل على تقنيات متقدمة مثل شراء صور الأقمار الصناعية لمراقبة مناحلهم والتأكد من وجودها رغم الأضرار التي تعرضت لها. مختار بلدة شبعا حسن زهرة أوضح أن نحو 390 خلية نحل عانت من الإهمال وقلة العناية بسبب عدم تمكن أصحابها من الوصول إليها لأكثر من خمسة أشهر. كما أكد أن النحل يتطلب متابعة مستمرة خلال فصلي الربيع والصيف، وخاصة مكافحة الأمراض والطفيليات وتوفير المياه والغذاء، وإلا يصاب بالانهيار.
كما أشار مربي النحل ربيع قعدان، من بلدة شبعا أيضاً، إلى خسارته لنحو 14 خلية من خلاياه الـ24 بسبب الظروف الراهنة، مع عدم القدرة على الاطلاع على حالتها الحالية. وذكر إسماعيل زهرة أن التكاليف المالية لمتابعة المناحل من خلال الصور الجوية أصبحت عبئاً إضافياً على المربين، تصل أحياناً إلى 200 دولار أسبوعياً.
تتعدى الخسائر الاقتصادية لتصل إلى البيئة والتنوع البيولوجي، حيث يلعب النحل دوراً حيوياً في تلقيح المحاصيل والأشجار والنباتات البرية، وهو ما يعني أن تراجع أعداده يؤثر سلباً على الإنتاج الزراعي والتوازن البيئي في المناطق الحدودية، التي يعتمد سكانها بشكل كبير على الزراعة.
وبحسب تقديرات، فقد قتل 84 نحالاً في جنوب لبنان منذ بدء الحرب، وتعرضت مئات آلاف خلايا النحل لأضرار متفاوتة بسبب القصف المباشر والحرائق والإهمال، مع تدمير آلاف الخلايا بالكامل. كما تشير التقارير الى فقدان خبرات متراكمة عبر أجيال في مجال تربية النحل وإنتاج ملكاته وتطوير السلالات المحلية، بعد وفاة عدد من المربين البارزين.
وحسب البنك الدولي، قُدرت الخسائر في عدد خلايا النحل التي دُمّرت خلال الحرب بنحو 5 آلاف خلية، بقيمة مالية تصل إلى 800 ألف دولار، من أصل 417 ألف خلية نحل كانت موجودة في لبنان قبل النزاع. ومع ذلك، يرفع المربون دعاوات بأن هذه الإحصائيات تقلل من حجم الكارثة الحقيقية، خاصة أن كثيرين فقدوا ما بين 60 إلى 70 في المئة من خلاياهم.
على صعيد الدعم، تعاني وزارة الزراعة في لبنان من ضعف مالي واضح يعود إلى الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي، مما يحد من قدرتها على تعويض المتضررين أو إطلاق برامج إنقاذ حقيقية لقطاع تربية النحل. تحذيرات المختصين تؤكد أن استمرار هذه الحالة قد يهدد بشكل جدي الأمن الغذائي والبيئي في الجنوب اللبناني على المدى الطويل.
في الوقت الحالي، باتت صور الأقمار الصناعية وحيدة الترابط بين المربين ومناحلهم، حيث ينتظرون بفارغ الصبر السماح لهم بالعودة والاطمئنان على خلاياهم التي تصارع للحفاظ على وجودها وسط هذه الظروف الصعبة.

اترك تعليقًا