الرسوم الجمركية والمخاطر الجيوسياسية تهدد قرارات المستثمرين وتعيد تشكيل استراتيجيات الشركات
لم تعد الأحداث الجيوسياسية وتوترات التجارة مجرد مواضيع في نشرات الأخبار، بل أصبحت تؤثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج وشحن البضائع وتمويل الشركات. في ظل تصاعد الصراعات والعقوبات، يطالب المستثمرون الشركات بإثبات قدرتها على حماية أرباحها والتكيف مع التغيرات المتسارعة في طرق التجارة وتكاليف التشغيل. كشفت نتائج مسح ماكينزي لعام 2026، الذي شمل 112 مستثمراً، أن 69% منهم اعتبروا المخاطر الجيوسياسية ضمن أهم ثلاثة عوامل تؤثر في استثماراتهم، فيما وصف أكثر من ثلثهم المخاطر الجيوسياسية بأنها مصدر قلق أساسي. جاء ذلك قبل التصعيد الكبير في الشرق الأوسط أواخر فبراير 2026، ما يعكس تنامي القلق الاقتصادي مسبقاً. أظهرت الدراسة أن 74% من المستثمرين يعتبرون القيود التجارية والرسوم الجمركية من أبرز المخاطر الجيوسياسية، متقدمين على الصراعات بين القوى الكبرى والعقوبات الاقتصادية. وتنعكس هذه المخاطر على الشركات بطرق متعددة، منها ارتفاع تكاليف استيراد المواد الخام، وصعوبة دخول الأسواق، وإعادة توزيع الإنتاج. تواجه الشركات ضغوطاً في تحمل الرسوم أو تمريرها للمستهلك، كما تعيد البحث عن مصادر تصنيع جديدة. مثال واضح على انعكاسات هذا الوضع هو سوق نقل النفط، حيث ارتفعت تكلفة شحن النفط إلى اليابان من الولايات المتحدة بشكل كبير في 2026 مقارنة بالعام السابق، بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع أقساط التأمين واستخدام مسارات أطول. هذه الزيادة تضغط على هوامش أرباح المصافي وترتد بأسعار الوقود والسلع في العديد من الدول. في المقابل، تحقق بعض شركات تشغيل الناقلات مكاسب مالية كبيرة مع ارتفاع أسعار الشحن، لكن هذا يعتمد على ظروف السوق غير المستقرة. يخشى المستثمرون أن الأسواق لا تعكس بشكل كامل المخاطر الجيوسياسية، مما قد يؤدي إلى إعادة تقييم شركات تعاني من تعرض أكبر مما هو مقدر للرسوم والاضطرابات. يؤثر ذلك بشكل متفاوت بين القطاعات حسب اعتمادها على الطاقة وسلاسل التوريد وقدرتها على تمرير التكاليف للمستهلك. على الرغم من وضوح التحديات، تشير الدراسات إلى فجوة في استعداد الشركات لإدارة هذه المخاطر، حيث أن قليلين فقط لديهم وحدات مختصة أو يستخدمون تحليل السيناريوهات لتقييم الأثر المحتمل. وأكدت الأبحاث أهمية إدماج المخاطر الجيوسياسية ضمن التخطيط المالي والتشغيلي، واعتماد تنويع في الموردين ومواقع الإنتاج، وزيادة الشفافية تجاه المستثمرين بشأن التعرض للمخاطر وخطط الطوارئ. بحيث لم تعد المخاطر الجيوسياسية بنداً ثانوياً بل عنصر تنافسي يحدد توجهات المستثمرين والشركات في عالم سريع التغير.

اترك تعليقًا