عائلة بارزاني: إرث النضال وتحديات توريث السلطة في المشهد السياسي الكردي
تتباين الآراء إزاء دور عائلة بارزاني في السياسة الكردية ما بين تقدير مكانتها ودورها التاريخي في قيادة حركة التحرر الكردي وما بين انتقاد نشر نموذج توريث السلطة العائلي التقليدي في الشرق الأوسط. حيث تعد عائلة بارزاني من أبرز العائلات التي قادت حركات التحرر الكردية لأكثر من قرن ونصف القرن، بداية من الشيخ محمد بارزاني الذي كان من القيادات الروحية والسياسية التي أسست لحركات كردية مسلحة. وبعده قاد شقيقه أحمد بارزاني الثورة الكردية الشهيرة في ثلاثينيات القرن الماضي، ثم الملا مصطفى بارزاني الذي أصبح رمزاً للنضال الكردي ضد الحكومات العراقية، وأسهم في إعلان جمهورية مهاباد ومارس نضالاً دام 14 عاماً لتحقيق الحكم الذاتي في كردستان. بعد وفاة الملا مصطفى في المنفى عام 1979، واصل أبناؤه إدريس ومسعود الكفاح من أجل حق الأكراد بالحكم الذاتي، وهو ما تحقق عام 1992 مع إجراء انتخابات أولية تمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني من خلالها من فرض هيمنته على السلطة السياسية والبرلمانية في الإقليم. يمارس الحزب الديمقراطي الكردستاني وهيمنة عائلة بارزاني دوراً مركزياً في سيطرة السلطة السياسية والتنظيمية في الإقليم، حيث حقق الحزب غالبية في عشرين انتخابات جرت بين 1992 و2024. إلى جانب الاستمرار في النشاطات الاقتصادية والتعليمية والثقافية لأبناء العائلة. يرى بعض المحللين أن تجربة عائلة بارزاني تختلف جذرياً عن أنماط الأنظمة العائلية التقليدية التي سيطرت عبر تاريخ الشرق الأوسط من خلال الانقلابات أو توريث من خلال أنظمة استبدادية أو ملكية، فتاريخ البارزانيين يرتبط بسلسلة من ثورات تحررية واجهت قمع الحكومات. ومن جهة أخرى يُشير الكاتب سرو قادر إلى أن العائلة وصلت إلى مكانة فريدة من نوعها جراء امتلاكها لتراث فكري وسياسي أجدى تغييرات على المجتمع الكردي من خلال تبني برنامج سياسي واجتماعي كان أكثر تقدماً وإصلاحاً ومساواة. ويأخذ الكاتب في الاعتبار أن العائلة لم تفرض هيمنتها بالقوة فحسب بل ناديّت بحقوق المرأة والتعايش بين الديانات المتنوعة وحماية البيئة والتنمية الروحية. إلا أن منتقدي الدور السياسي للعائلة يرون أن تحولها إلى قوة سياسية مهيمنة أشبه بأنظمة الوراثة السياسية التي انتشرت في المنطقة، حيث تتوارث الزعامة من جيل إلى آخر وتسيطر على أجهزة الحكم ومختلف نواحي المجتمع. ويعترف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري هوكر جتو بأن هذه الظاهرة مرتبطة ببحث المجتمعات عن الاستقرار عبر احتكار عائلات سياسية للقيادة، وهو ما ينطبق كذلك على الإقليم في ظل الغياب أو ضعف مؤسسات سياسية مستقلة. يظل نموذج عائلة بارزاني ضمن السياق الإقليمي واسع الأثر حيث يستمر الجدل بين كونها إرث نضالي شعبي جذرته الحقوق والتضحيات، وبين كونها نسخة من حكم استبدادي تأخذ شكل العائلة السياسية المستقرة على السلطة. وسيظل هذا النقاش جوهريًا لفهم مستقبل الحكم والديمقراطية في كردستان العراق والمنطقة بأسرها.

اترك تعليقًا