كيف تؤثر موجات الحرّ على الاقتصاد العالمي بتكلفة مليارية؟
تشهد الاقتصادات الكبرى حول العالم تأثيرات متزايدة لموجات الحر التي لم تعد مجرد ظاهرة موسمية بل تحولت إلى مخاطرة اقتصادية هيكلية تهدد الناتج الاقتصادي ومستويات الاستثمار. ففي أوروبا والولايات المتحدة بشكل خاص، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى ارتفاع ملحوظ في استهلاك الكهرباء نتيجة زيادة استخدام أجهزة التكييف، والتي في أوروبا تغطي نسبة 19% فقط مقارنة بنحو 90% في الولايات المتحدة، مما يضع ضغطًا كبيرًا على شبكات الطاقة.
ويركز خبراء الاقتصاد على جانب انخفاض إنتاجية العمل أثناء موجات الحر، خاصة في قطاعات البناء والزراعة والتصنيع والتجزئة، التي تمثل حوالي 35% من نشاط أوروبا الغربية. يجري تقدير أن موجة حر تستمر لأربعة أيام يمكن أن تخفض نمو إنتاجية العمل بنحو نقطتين مئويتين في أوروبا. كما تؤدي درجة الحرارة التي تتجاوز 30 درجة مئوية إلى نقطة تحول اقتصادية، إذ بعد هذه الدرجة تتسارع الخسائر بسبب تراجع الإنتاجية وزيادة احتياجات التبريد، مع كل درجة مئوية إضافية تنخفض فيها الإنتاجية بنسبة 3%، فيما يرتفع استهلاك الطاقة بنسبة 1.2%.
موجات الحر تؤثر بدورها على أسواق الطاقة، حيث ترفع الطلب على الكهرباء والغاز الطبيعي مما يزيد التكاليف ويؤدي إلى قيود تشغيلية في بعض محطات الطاقة مثل النووية بسبب ارتفاع حرارة مياه التبريد. هذه الضغوط تظهر بوضوح في الأسعار المرتفعة للكهرباء في أوروبا وجهود الولايات المتحدة لضمان استقرار الإمدادات خلال موجات الحر القصوى.
تنتقل هذه الصدمات الاقتصادية من قطاع الطاقة إلى قطاعات أخرى كالتصنيع والنقل والخدمات اللوجستية، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج وارتفاع أسعار السلع والخدمات، والتأثير في معدلات التضخم والنمو الاقتصادي. وقد يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى حدوث ركود تضخمي يصعب على البنوك المركزية التعامل معه لوجود تضخم مرتفع مع تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة.
تقديرات مجموعة أليانز تشير إلى أن الخسائر التراكمية الناتجة عن تكرار سنوات الحرارة القصوى قد تصل إلى 5-7% من الناتج المحلي الإجمالي في دول أوروبا الأكثر تعرضًا، بما يصل إلى 240 مليار دولار في فرنسا، 147 مليار دولار في إيطاليا، 131 مليار دولار في ألمانيا، و120 مليار دولار في إسبانيا.
يؤكد الخبراء على ضرورة إدراك أن موجات الحر لم تعد مشكلة صيفية مؤقتة، بل معضلة دائمة تتطلب استراتيجيات تحديث البنية التحتية للمباني، تطوير بيئات العمل، وتعزيز شبكات الكهرباء، لضمان قدرة الاقتصادات على التكيف مع المناخ الجديد وحماية النمو الاقتصادي والاستقرار المالي مستقبلاً.
