شركة أنثروبيك تستشير رجال الدين للفصل في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ووعيه المحتمل
في خطوة غير مسبوقة على صعيد تطوير الذكاء الاصطناعي، نظمت شركة أنثروبيك خلال الأشهر الماضية سلسلة لقاءات سرية مع نحو 20 من العلماء والمفكرين في مجال الدين والفلسفة من خلفيات متعددة، لمناقشة أبعاد أخلاقية عميقة حول ما إذا كانت النماذج المتقدمة في الذكاء الاصطناعي تملك نوعًا من الوعي يستحق الاعتبار الأخلاقي، أو أنها تظل في نهاية المطاف أنظمة تحاكي السلوك الإنساني بمهارة عالية فقط.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد كشفت في تحقيق موسع للكاتبة إليزابيث دياس، أن الشركة أعدت وثيقة مفصلة أسمتها “وثيقة الروح” أو دستور كلود، مكونة من 84 صفحة، تسعى من خلالها إلى تحديد مجموعة من القيم والسلوكيات الأخلاقية التي يجب أن يجسدها نموذجها الذكي، لكن اللافت أن الوثيقة لا تعتمد على أوامر جامدة، بل تركز على تكوين شخصية أخلاقية قادرة على اتخاذ قرارات مسؤولة تُجسد “أفضل ما فينا”، وفقًا لتعبير الفيلسوفة أماندا أسكيل.
ومن جانبه، طرح المؤسس ديماس أولاه مفهوم “التكوين الأخلاقي”، مستفيدًا من خبرات الأديان في تربية النفس والفضائل الأخلاقية، متسائلًا كيف يمكن لنموذج بلا جسد أن يطور فضائل أخلاقية تحاكي الإنسان. خلال اللقاءات، قدم باحثو أنثروبيك أمثلة للحالات التي بدت فيها ردود النماذج وكأنها أعراض نفسية أو انهيارات، إلا أن النقاش لم يكن خاليًا من الانتقادات؛ إذ حذر بعض العلماء من خطورة تفسير آليات البنى العصبية الاصطناعية على اعتبارها كيانات مستقلة ذات وعي، كما انتقد آخرون منطق إضافة الأخلاق بعد إنشاء النموذج باعتباره “هندسة عكسية”، داعين إلى دمج الأسس الأخلاقية منذ البداية في التصميم.
أما البابا، فقد عبر عن موقف أكثر تشددًا في رسالته “إنسانية عظيمة”، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي لا يختبر المشاعر ولا يمتلك جسدًا، وأن هدف النقاش يجب أن يكون حماية الإنسان وحقوقه، بينما عبر أولاه عن رغبة في إبقاء احتمال وجود وعي اصطناعي مفتوحًا، مستندًا إلى دلائل مثل “هياكل تعكس نتائج من علم الأعصاب البشري” و”أدلة على الاستبطان”، بأنه لا يزال هناك حاجة للمزيد من البحث لفهم هذه المؤشرات.
تُظهر هذه اللقاءات تحولًا عميقًا في توجه شركة تقنية كبرى تلجأ إلى تقاليد أنتجتها الأديان والفلسفة على مدى قرون، لصياغة إطار أخلاقي لنماذج ذكاء اصطناعي قد تصبح ذات قدرات واسعة وتأثيرات مستقلة.
وختامًا، بلغ أولاه قناعة متزايدة بخطورة ما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي، مُشيرًا إلى ثقل المسؤولية التي تقع على عاتقه، ومتسائلًا إن كان سيقدر يومًا على التخلي عن هذا العبء للتمتع بحياة بسيطة في الريف ومحبة علوم الرياضيات.
وبينما تواصل أنثروبيك البحث عن إجابات في إطار الدين والفلسفة، يظل جوهر التحدي قائمًا: سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اختبار لقدرات الآلات، بل هو إعادة تعريف لماهية الوعي والكرامة والمسؤولية في عصر جديد.
