تراجع القوة الأمريكية أمام إيران يعكس قوة أدوات غير تقليدية لمواجهة واشنطن
تكشف التطورات الأخيرة في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مفارقة عميقة في الحرب الدائرة بينهما. فقد أعلنت واشنطن سحب 12 قاذفة بي-1 من قاعدة فيرفورد البريطانية عقب معلومات حول مخطط لهجوم بمسيّرات يستهدف الطائرات والجنود الأمريكيين ضمن القاعدة، ما ساهم في إعادة انتشار للقوات الأمريكية ورفع كلفة الدعم اللوجستي. وتُعد هذه الخطوة أحد دلائل التراجع التكتيكي الذي شهدته القوة الأمريكية أمام إيران منذ بدء الحرب في 28 فبراير الماضي، حيث لم تقتصر المواجهة على الاشتباك التقليدي بل شملت استخدام إيران لأدوات غير تقليدية مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية والعمليات غير المباشرة عبر حلفائها الحوثيين في السعودية.
تُشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن القرار الأمريكي بالسحب جاء استجابة لتهديد مباشر، ما يعكس هشاشة وجود واشنطن في ميادين كانت رمزًا لهيمنتها العسكرية لعقود. هذا الانسحاب وعدم القدرة على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والمناطق المحيطة به، التي تعد شرايين مهمة لتدفق النفط العالمي، يشكل تحولا استراتيجيا في الوجود العسكري الأمريكي. فالعمليات الأمريكية باتت تعتمد على قواعد أبعد بكثير مثل دييغو غارسيا، مما يزيد من مدة وتكاليف العمليات.
أما من جانب إيران، فقد برعت في تحويل ضعفها النسبي في القوة التقليدية إلى قوة تأثير عبر استغلال نقاط ضعف الخصم من خلال هجمات بالمسيرّات، وشن ضربات على قواعد أمريكية وقتل جنود، إضافة إلى استخدام حلفائها لتهديد دول الجوار مثل السعودية. ويعتبر مراقبون أن إيران حققت مكاسب رمزية مهمة رغم الخسائر الفعلية التي منيت بها.
الحرب القائمة تعكس تحولاً في طبيعة النزاعات الحديثة، حيث بات امتلاك قدرات غير تقليدية ورقابة على مجالات مثل الفضاء السيبراني والمجال البحري الصغيرة تشكّل عوامل فارقة في القدرة على كبح قوات أكبر وأقوى تقنياً. والتحرك الأمريكي لإعادة انتشار قواته وخفض التواجد على الأرض قد يسمح لطهران بفرض كلفة عالية على واشنطن، وتعيد رسم جغرافيا النفوذ العسكري في الشرق الأوسط بشكل جديد.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المواجهة بين العاصمتين الكبرى لا تقتصر على تحديات عسكرية تقليدية فحسب، بل تدخل في حسابات استراتيجية واقتصادية عميقة ستمتد تأثيراتها في السياسات الدولية والأمن الإقليمي خلال الفترة القادمة.

اترك تعليقًا