تحول دستوري في أمريكا: كيف فقد الكونغرس سلطته في قرارات الحرب؟
شهدت العلاقة بين مجلس الكونغرس والرئيس الأمريكي تحولاً دستورياً هاماً في تحديد سلطة القرار بشأن شن الحروب، انعكس بشكل واضح خلال ملفات الحروب في إيران والعراق وغيرها. في البداية، كان الدستور الأمريكي يحدد أن الكونغرس هو الجهة الوحيدة المخولة بقرار الحرب، حيث أراد الآباء المؤسسون الاقتصار على دور الرئيس بما يخص الدفاع عن الهجمات المفاجئة فقط. لكن مع مرور الزمن، توسع مفهوم «الدفاع عن النفس» ليشمل استخدام القوة العسكرية التمهيدية أو الوقائية خارج الحدود الأمريكية، وهو ما استغله الرؤساء لتبرير العمليات العسكرية بدون موافقة مسبقة من الكونغرس. بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى عسكرية منتشرة حول العالم، وتعقيد طبيعة التهديدات مثل الأسلحة النووية، ازداد تركيز السلطات في يد الرئيس بسبب الحاجة لاتخاذ قرارات سريعة وسرية، وهذا ما قلت معه سلطة الكونغرس تدريجياً. حاول الكونغرس استعادة بعض صلاحياته عبر قانون سلطات الحرب 1973 الذي يسمح له بوقف العمليات العسكرية، إلا أن الرئيس بإمكانه تجاهل القانون أو استخدام الفيتو ضده. كما تجلى ذلك في تصويت الكونغرس الأخير لإنهاء الحرب على إيران، الذي لم يمنع الرئيس دونالد ترمب من استئناف العمليات بعد انهيار المذكرة مع طهران. بعد حرب العراق، أصبح التصويت على تفويضات الحرب يحمل تكلفة سياسية عالية على أعضاء الكونغرس، مما دفعهم إلى تجنب الموافقة على استخدامها، رغم استمرار العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، أصبحت السياسة الخارجية الأمريكية تعتمد بشكل متزايد على قرارات الرؤساء والاتفاقات التنفيذية، بدلاً من التفويضات التي يمنحها الكونغرس والمصادقة على المعاهدات في مجلس الشيوخ. وعلى الرغم من أن الكونغرس لا يزال يحتفظ نظرياً بسلطة التحكم في التمويل العسكري، إلا أن هذه القدرة لم تعد كافية لاستعادة دور الكونغرس الدستوري في تقرير الحرب والسلم، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول توازن السلطات والرقابة السياسية على استخدام القوة العسكرية في الولايات المتحدة.

اترك تعليقًا