الحرب السرية للاستخبارات الروسية في أوروبا: تخريب السيارات وتسميم النقاش السياسي
في ديسمبر 2024، شهدت ألمانيا حملة تخريب سرية نفذها عملاء محليون منتمون للاستخبارات العسكرية الروسية عبر تعطيل أكثر من 270 سيارة. تبدأ القصة حين أوقفت الشرطة دورية شاحنة صغيرة تحمل شبابًا بُرّرت بنقل مواد بناء عازلة، لكن سرعان ما تولدت موجة من التخريب تمثلت في تدمير أنابيب عوادم السيارات باستخدام الرغوة نفسها، وأعلنت مصادر أمنية أن الغرض كان زعزعة الثقة بحزب الخضر وتسميم النقاش السياسي قبل الانتخابات الاتحادية.
وتتكشف التفاصيل من تحقيقات أمنية ومصادر استخباراتية بأن العملية جزء من أسلوب جديد يُسمى “اقتصاد المهام”، حيث يجند عملاء محليون ممن لا يتبعون تنظيمًا ثابتًا، عبر تطبيقات التواصل مثل فايبر وتلغرام، مقابل مبالغ مالية زهيدة لكل عملية تخريب يقومون بها. هذا الأسلوب يتيح لموسكو البقاء في دائرة الغموض والإنكار، وتجنب استهداف مراكز صنع القرار مباشرة.
لم تقتصر العمليات على تعطيل السيارات فقط، بل شملت إضرام حرائق في حاويات طرود شحن تابعة لشركات لوجستية كبرى في ألمانيا وبريطانيا وبولندا، مع اعتقالات في دول مثل ليتوانيا. تشير المعلومات إلى أن الاستهداف جاء بهدف تعطيل سلاسل التوريد المرتبطة بدعم أوكرانيا، وتحويل التخريب لفعل استراتيجي يؤثر على القدرة اللوجستية للغرب.
وعلى الصعيد الإعلامي، كشفت تسريبات روسية سرية عن حملة تأثير إلكترونية واسعة، تضمنت مئات الآلاف من الحسابات الوهمية التي تنشر محتويات معادية للاجئين الأوكرانيين بهدف خلق شعور بالاستياء والاغتراب لدى السكان، والسيطرة على الخطاب العام ضد دعم الحكومة للحرب في أوكرانيا.
تحذيرات صادرة من رؤساء أجهزة استخبارات ألمانية وبريطانية أكدت على خطورة تنامي هذه العمليات، وأشارت إلى أن موسكو ترفع من وتيرة استعداداتها للحرب السرية إلى مستويات غير مسبوقة، مما قد يستدعي تفعيل آليات الدفاع المشترك في حلف شمال الأطلسي. ويبرز هنا الفرق بين الحرب التقليدية وعالم الحروب الهجينة والعمليات “تحت العتبة”، التي تحاول إحداث موازنة قوى تتيح العدوان دون الإعلان الصريح عن حرب، وهو وضع معقد يفرض تحديات كبيرة على أمن أوروبا واستقرارها السياسي.
