الصراع حول قواعد الانتقال السياسي في ليبيا ومستقبل المرجعيات الوطنية
عاد الجدل حول طبيعة المرحلة المقبلة في ليبيا ليتركز هذه المرة على محور أعمق وأكثر تأثيراً يتعلق بالجهة التي تملك حق صياغة قواعد الانتقال السياسي وصياغة قواعد انتاج السلطة، في ظل رفض المجلس العسكري بمصراتة لمبادرة أمريكية تقدمت بها واشنطن برعاية مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا. جاء رفض المجلس العسكري الواقع في غرب ليبيا باعتباره جهة فاعلة أمنياً وعسكرياً ذات تأثير كبير على موازين القوى المحلية دليلاً على أن الصراع لم يعد تدور تفاصيله حول أسماء الحكومات المقبلة، بل حول شرعية وآليات تنفيذ السلطة السياسية. تتنافس على الساحة الليبية ثلاثة مراجع رئيسية في الشأن السياسي: المبادرة الأمريكية التي ترى استمرار الانقسام تهديداً للأمن الإقليمي، والأمم المتحدة التي تمثل الإطار الدولي والشرعية القانونية، وأخيراً المؤسسات والفعاليات الليبية التي تتمسك باستقلال صنع القرار محلياً. وعززت هذه المنافسة الجديدة أهمية الإطار المرجعي الذي يحدد آليات الإنتاج السياسي وكيفية التعامل مع تنفيذ الاتفاقات، وسط اعتراف واسع بأن النزاعات السابقة لم تفشل بناء الحكومات فقط، بل فشلت أساساً في تأسيس قواعد دائمة لتنظيم تداول السلطة بصورة سلمية ومستقرة. في هذا السياق، يشير خبراء وسياسيون مثل الدكتور يوسف الفارسي إلى أن الانتخابات المباشرة هي السبيل الوحيد لإرساء شرعية سياسية شعبية حقيقية وإنهاء حالة الانسداد، فيما تؤكد حواء زايد على أهمية استكمال المسار الأممي ليكون الضمانة الحقيقية لصياغة تغييرات ملموسة وقابلة للتنفيذ. بالمقابل، يؤكد أنور ياسين أن الحل الأمثل ينبع من الداخل الليبي عبر خارطة طريق تضع أساسات تنفيذية واضحة للأدوار السياسية والانتقال إلى الانتخابات. تتزامن هذه التوجهات مع موقع ليبيا المتعاظم على صعيد الأمن الإقليمي والمصالح الدولية، خصوصاً في ملفات أمن البحر المتوسط والهجرة والتنافس الجيوبوليتيكي في أفريقيا، مما يعزز تدخل القوى الدولية ومحاولاتها للعب دور مؤثر في رسم مستقبل البلاد. وعلى الرغم من وجود جهود ومبادرات متعددة، إلا أن التحدي الأبرز لا يزال في فرض قواعد لعب سياسية موحدة قادرية على صمود طويل الأمد وتضمن تنفيذ الاستحقاقات، وهو ما سيحدد شكل الدولة الليبية خلال السنوات العشرة المقبلة، ويحول دون تكرار دوامة الانقسامات والصراعات التي ضربت البلاد منذ 2011.
