بوادر تقارب في ليبيا: هل تنذر بتحرير البلاد من أزماتها السياسية؟
تشهد ليبيا بوادر تقارب في المشهد السياسي تعكس محاولة لإنهاء الانقسام العميق الذي تعيشه البلاد منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011. إذ أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن “خطوة مهمة لتعزيز العملية السياسية وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات وطنية”، تتضمن إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وتسوية نقاط خلافية في الإطار القانوني للانتخابات. وعلى الرغم من هذه المحاولات، تواجه ليبيا تحديات ضخمة تتمثل في وجود حكومتين متنافستين؛ حكومة طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة المعترف بها دولياً، ولواء خليفة حفتر المسيطر على مناطق واسعة في الشرق والجنوب، إذ يشكل هذا الانقسام السياسي والعسكري عائقاً كبيراً نحو وحدتها. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الجماعات المسلحة ومصالح عدد من الدول الأجنبية دوراً محوريًا في تعقيد المشهد الليبي. ومن زاوية أخرى، يرى محللون مثل أندرياس ديتمان أن رغبة الليبيين في إنهاء الصراع دافعة قوية نحو التوصل لاتفاقات سياسية، كما تبدو القوى الأجنبية التي كانت تنحاز لطرف ما في النزاع بدأت تدرك ضرورة دعم هيكل سياسي مشترك لتحقيق استقرار البلاد. وفي هذا السياق، تلعب الأمم المتحدة دوراً مركزياً من خلال الحوار المنظم الذي يشمل قضايا الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية. بينما تحاول الولايات المتحدة عبر مبعوثيها تقريب وجهات النظر بين كبار العائلات السياسية في البلاد، في محاولة لإبرام صفقة من شأنها تحقيق استقرار نسبي. غير أن ثمة تحذيرات من قبل خبراء مثل ميشائيل باور من مؤسسة كونراد أديناور الألمانية ومعهد تشاتام هاوس بأن الترتيبات التي تسمح بتقاسم المناصب والموارد على حساب مبدأ الانتخابات الحرة والنزيهة قد تؤدي إلى ترسيخ المحسوبية والفساد، وبالتالي استمرار الأزمة. خلاف ذلك، ثمة تحديات مثل اختلاف التوازنات السكانية والسياسية بين شرق ليبيا وغربها، مما قد يجعل الانتخابات الحقيقية التي تعكس إرادة الشعب أمراً معقداً، خاصةً مع النفوذ العسكري لحفتر ودعم تركيا لجهات أخرى في الغرب، مما يضيف طبقات من التعقيد للمشهد. يظل السؤال الأكبر هو مدى التزام الأطراف الليبية والدولية بتنفيذ الاتفاقات الجديدة التي قد تفتح آفاقاً لإعادة بناء الدولة الليبية، مع ضرورة أن تتجاوز هذه الاتفاقات مجرد التحضير للانتخابات إلى تقديم حلول شاملة لمشاكل الفساد، انقطاع الخدمات، وضعف المؤسسات الحكومية، التي تعد في صلب المطالب الشعبية المحقة.

اترك تعليقًا