بغداد ودمشق تتجهان نحو شراكة استراتيجية لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني
في زيارة رسمية جاءت بعد تحركات إقليمية دبلوماسية مكثفة، استقبلت دمشق رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والوفد المرافق له، حيث التقى السوداني برئيس هيئة تحرير الشام أحمد الشرع. جاءت الزيارة في ظل ظروف إقليمية معقدة، مع تداخل مصالح إقليمية ودولية بين الولايات المتحدة، إيران وتركيا، حيث تسعى بغداد ودمشق لخلق توازن دبلوماسي يخدم مصالحهما. تمثلت لفتات الزيارة في استقبال الشرع للسوداني في مطار دمشق، وزيارة الأخير لمواقع إسلامية مهمة منها المسجد الأموي ومقام السيدة زينب، مع تقديمه تبرعات مالية كبيرة لتعزيز الروابط الرمزية والدينية بين البلدين. جاءت زيارة دمشق بعد جولات إقليمية أخرى للسوداني شملت الرياض وعمان، في محاولة لإعادة تموضع العراق ضمن محيطه العربي والإقليمي. يواجه العراق تحديات اقتصادية كبيرة تتمثل بنقص المنافذ البحرية لتصدير النفط، ما شدد على أهمية التعاون مع سوريا لإحياء خط النفط التاريخي من كركوك إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، حيث طرحت دراسة إمكانية تطوير الخط ليستوعب ما يصل إلى مليوني برميل يومياً مستقبلاً، بتكلفة قد تصل إلى 15 مليار دولار. بالإضافة إلى الملف الاقتصادي، تداول الطرفان ضرورة تعزيز الأمن على الحدود المشتركة ومكافحة الإرهاب ومراقبة التهريب، في ظل تعقيد المشهد الأمني بعد تدخل فصائل عراقية موالية لإيران في سوريا ودعم نظام الأسد سابقاً. يبحث الطرفان أيضاً في قضايا مشتركة؛ منها الأمن الغذائي من خلال التعاون الزراعي، إدارة موارد المياه على نهر الفرات لتفادي أزمات الفيضانات، وتعزيز التبادل التجاري والتنمية الاقتصادية لتخفيف الضغط المالي على الجانبين. جاءت القراءات السياسية لزيارة السوداني إلى دمشق على خلفية حساسية العلاقات بين البلدين بعد سنوات من الصراع، إذ ينظر محللون إلى هذه الخطوة كتحرك سياسي براغماتي يوازن بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى في المنطقة، مع استمرار تأثير السياسة الأميركية ولا سيما في ظل الانتخابات النصفية الأميركية. في ختام اللقاء، صدرت بيانات رسمية أكدت أن الشعبين العراقي والسوري «شعب واحد في بلدين»، مع الإعلان عن التحضير لمؤتمر اقتصادي مشترك يتمحور حول تفعيل مجالات التعاون المتعددة. تبرز هذه الزيارة كخطوة أساسية نحو إعادة بناء جسر التعاون بين بغداد ودمشق ضمن إطار متوازن، وفهم يستوعب تعقيدات السياسة الدولية والواقعية الإقليمية التي تراعي مصالح العراق الاقتصادية والاستراتيجية وأمنه القومي، بما يساهم في استقرار المنطقة وتحقيق تنمية مستدامة للبلدين.

اترك تعليقًا