حصار المحكمة الجنائية الدولية: انسحابات وطموحات أمريكية لتقويض شرعيتها
تمر المحكمة الجنائية الدولية اليوم بمرحلة من التحديات السياسية والجيوسياسية الخطيرة التي تضع مستقبلها أمام اختبار حاد. فقد أعلن الاتحاد الأفريقي مؤخراً انسحابات متتالية لدول من نظام روما الأساسي، وهي المعاهدة المؤسسة للمحكمة، كان آخرها قرار تشاد الرسمي الذي جاء بعد انسحابات فنزويلا وبوركينا فاسو ومالي والنيجر. وتبرر هذه الدول قراراتها بالاتهامات الموجهة للمحكمة حول الانتقائية الجغرافية والتركيز الزائد على القارة الأفريقية، مما يعكس رؤى تنتقد المحاكمات باعتبارها أداة نفوذ وسيطرة خارجية.
في الوقت نفسه، تمارس الولايات المتحدة، التي ليست عضواً في المحكمة، ضغوطاً دبلوماسية كبيرة تشمل تهديدات بالعقوبات ضد مسؤولين بالمحكمة وموظفيها، سعياً لمنع ملاحقة مواطنيها وحلفائها مثل إسرائيل. وتجلى هذا التوتر بوضوح في عهد الرئيس دونالد ترمب، حيث تم فرض عقوبات وإلغاء تأشيرات للمدعية العامة وأعضاء آخرين، بينما اتخذت إدارة بايدن نهجاً أكثر تعاونا، لكنها لم تلغ الضغط بالكامل.
تتزامن أزمة الانسحابات والسياسة الأمريكية مع وضع داخلي متأزم داخل المحكمة، إذ عومل المدعي العام الجديد بكثير من الشكوك والمعارضة بين الدول الأعضاء، مع مخاوف من أن تؤدي الإجراءات الأمريكية إلى عزوف متقدمين محتملين عن هذا المنصب الحيوي. وتظل هذه التطورات تهدد قدرة المحكمة على متابعة مهامها، ما يضع نزاهتها وفاعليتها في مهب الريح.
منذ تأسيسها عام 2002، واجهت المحكمة انتقادات دولية كثيرة، لكن الحملة الأمريكية المكثفة مؤخراً تعكس تحولاً جذرياً في التعامل معها، حيث صُنفت المحكمة على أنها تهديد أمني غير مسبوق للولايات المتحدة، مما منح الحكومة الأمريكية صلاحيات واسعة لاتخاذ إجراءات صارمة ضدها، تشمل تجميد الأصول ومنع دخول المسؤولين التابعين لها.
في خضم هذه الأجواء المشحونة، يبقى السؤال حول مصير المحكمة وقدرتها على الاستمرار في أداء دورها المتمثل في تقديم العدالة لضحايا الجرائم الدولية الكبرى، وسط صراعات سياسية واقليمية متشابكة تهدد بالحد من شرعيتها وأثرها على الساحة الدولية.

اترك تعليقًا