خمس سنوات على إجراءات قيس سعيد: إنقاذ الدولة أم تراجع ديمقراطي؟
تحلُّ الذكرى الخامسة لإعلان الرئيس التونسي قيس سعيد الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو 2019، وسط جدل سياسي حاد حول آثار ذلك المسار على مستقبل الدولة والديمقراطية. حمَلت تلك الخطوة، التي أعلن فيها الرئيس تجميد أعمال البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة، طابع الإنقاذ من حالة الشلل السياسي والفساد، مستندًا إلى الفصل 80 من الدستور السابق لعام 2014. مع مرور السنوات، تحول هذا المسار إلى مشروع سياسي شامل قاد إلى إقرار دستور جديد في 2022، تقوية صلاحيات الرئاسة، وإعادة تشكيل النظام الانتخابي والمؤسسات التشريعية والتنفيذية.
رغم حرص السلطات على تقديم هذه الإجراءات باعتبارها “تصحيحًا للمسار” يهدف إلى استعادة قدرة الدولة على اتخاذ القرار، إلا أن المعارضة وجزءًا من المجتمع المدني يشككون في جدواها. يرون أن إعادة تركيز السلطة أدت إلى إضعاف المؤسسات المنتخبة وتقليص الحريات، ويشيرون إلى تراجع استقلال القضاء وملاحقات قضائية ضد صحفيين ونشطاء انتقدوا السلطة. كما يلفتون النظر إلى تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ما تزال تواجه تونس، بالرغم من وعود الإصلاح والتغيير.
وبينما يرى أنصار الرئيس أن النظام السابق كان يعاني من فوضى سياسية وتعطيل مؤسساتي جعل من تركيز القرار ضرورة لإعادة فاعلية الدولة، يؤكد معارضوه أن هذا التوجه لم يكن مصحوبًا بإصلاحات حقيقية لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بل زاد أزمة الديمقراطية وتعقيدها. يتجلى ذلك بوضوح في ملف الحريات الصحفية الذي سجل تراجعًا من خلال مضايقة العاملين في القطاع الإعلامي، وتقنين قوانين تعيق التعبير، وهو ما ينفيه المسؤولون مؤكدين مكافحة الأخبار الزائفة وحماية الأمن.
في الملف القضائي، شهدت منظومة العدالة إعادة هيكلة ونزاعًا حول استقلالية القضاء مع حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب واستبداله بهيكل مؤقت، بالإضافة إلى إعفاء عدد من القضاة. تزايدت التوترات بين السلطة التنفيذية ومؤسسات العدالة مما دفع جمعيات القضاة والمحامين للدخول في إضرابات واحتجاجات مستمرة.
ورغم التحديات الاقتصادية الصعبة التي تشهدها تونس، يرى جهات في السلطة أن الأزمة تتجاوز فترة تولي الرئيس سعيد، وأن التحديات تتطلب قرارات جريئة في ظل تأثيرات أزمات عالمية. بينما تعتبر المعارضة أن غياب الإصلاحات الهيكلية أدى إلى تفاقم الأزمة وعدم تحقيق الانتعاش المرجو.
يرى محللون أن التجربة التونسية في السنوات الخمس الماضية تمثل تحولا عميقا في طبيعة الحكم وإدارة الأزمة، لكنها تثير تساؤلات كبيرة حول مساران متعارضان: هل أعاد هذا التمركز قوة الدولة وقدرتها على المواجهة، أم أنه أفرغ العملية الديمقراطية من جوهرها؟ ما تزال هذه النقاشات مفتوحة في أروقة السياسة والمجتمع، وسط حذر دولي من أن يؤدي التضييق السياسي إلى نسف المكتسبات التي حققتها تونس بعد 2011.

اترك تعليقًا