23 أبريل 2026
المجهر الإخباري
موقع إخباري عربي للتغطية المتواصلة والتحليلات والتقارير والفيديوهات.
مقالات

الاعتداء على الخليج يقوض مبادئ القانون وحسن الجوار

8 أبريل 2026 المجهر الاخباري
الاعتداء على الخليج يقوض مبادئ القانون وحسن الجوار

د. عبد العالي حامي الدين

لا يمكن تفسير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلا باعتبارها محاولة لتقويض مكانتها الإقليمية المبنية أساسا على إمكانياتها الديمغرافية والعلمية، فضلا عن قدرتها على توطين برنامجها النووي، وتطوير القدرات الصاروخية، إضافة إلى عقيدة نظامها السياسي المبنية على عدائها لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يمثل في نظر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تهديدا مباشرا لميزان القوى الإقليمي.

غير أن المشهد تجاوز مجرد الصراع مع القوى الكبرى؛ إذ تبرز الاستهدافات الإيرانية المتكررة، دول الخليج العربي كأحد أخطر مظاهر هذا الصراع، وهو ما قد يعكس إصرار طهران على اتباع سياسات عدوانية تنتهك سيادة جيرانها، وتزعزع أمن الطاقة العالمي.

كما أن الهدف الحقيقي لهذه الحرب من الجانب الأمريكي قد لا يكون مجرد تدمير البرنامج النووي الإيراني أو قدراتها الصاروخية، بل تغيير النظام السياسي في إيران، غير أن التجارب التاريخية تظهر أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية غالبا ما يؤدي إلى نتائج عكسية ويغرق القوى المتدخلة في صراعات طويلة ومكلفة.

لكن ما يهمنا أساسا في هذه المقالة، هو تحليل الأبعاد السياسية والقانونية للهجوم الإيراني على دول الخليج؛ وذلك من منظور العلاقات الدولية، وأيضا من زاوية القانون الدولي الذي ينتهكه هذا العدوان الصارخ، وصولا إلى استشراف مستقبل أمن الخليج وإستراتيجيات الردع الكفيلة بوقف هذه التهديدات.

أولا: من ناحية العلاقات الدولية

لم يقتصر الرد الإيراني على ضرب أهداف داخل العمق الإسرائيلي، أو استهداف القوات الأمريكية بشكل مباشر، بل امتد ليشمل اعتداءات طالت دول الخليج، بذريعة ضرب المصالح الأمريكية، وبنى تحتية لوجيستية، في خطوة تمثل تصعيدا خطيرا ينتهك سيادة دول المنطقة.

تدرك إيران أن استهدافها المتعمد القواعد العسكرية في المنطقة، أو المنشآت النفطية الحيوية يؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يخلق ضغوطا اقتصادية وسياسية، وتبعا لمنطق الردع غير المتكافئ، فإن توسيع نطاق العدوان ليشمل أطرافا خليجية قد يكون هدفه تعويض الفجوة في القوة العسكرية التقليدية، لكنه يضع أمن واستقرار المنطقة بأكملها في مهب الريح.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير استهداف البنية العسكرية والمدنية في الخليج بوصفه محاولة إيرانية لزعزعة استقرار الجوار، وتحويل الحرب إلى صراع إقليمي عالي الكلفة على جميع الأطراف، وهو ما يؤثر على مبادئ حسن الجوار، ويبني تراكما هائلا من عدم الثقة، وينسف الكثير من المحاولات الرامية إلى تذويب الخلاف بين إيران ودول الخليج.

ثانيا: الاعتداء العسكري الإيراني من زاوية القانون الدولي

يثير العدوان الإيراني واستهداف دول الخليج العربي إشكالا قانونيا أساسيا يرتبط بمبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وهو أحد المبادئ المؤسسة للنظام القانوني الدولي المعاصر؛ فقد نصت المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة على التزام جميع الدول بالامتناع عن استخدام القوة، أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وهو ما يضع التحركات الإيرانية في خانة الانتهاك الصارخ لهذه المواثيق.

هذا المبدأ يشكل قاعدة آمرة في القانون الدولي المعاصر (jus cogens)، أي قاعدة لا يجوز للدول الاتفاق على مخالفتها، لما تمثله من أساس لضبط العلاقات الدولية ومنع اللجوء إلى القوة كوسيلة لحل النزاعات.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تجاوز عسكري إيراني يقع على أراضي دولة خليجية ذات سيادة يعد عملا غير مشروع واعتداء فاقدا للمسوغ القانوني؛ كونه لا يندرج ضمن الاستثناءات المحددة في القانون الدولي، وعلى رأسها حالة الدفاع الشرعي عن النفس، بل يمثل تقويضا متعمدا للأمن الإقليمي.

نعم، يعد الدفاع الشرعي عن النفس الاستثناء الرئيسي على قاعدة حظر استخدام القوة، وقد نصت عليه المادة (51) من الميثاق الأممي، غير أن الفقه الدولي يشترط توفر عدة شروط لممارسة هذا الحق، من أهمها وقوع هجوم مسلح فعلي، وضرورة الرد العسكري، والتزامه بمبدأي التناسب والضرورة.

غير أن الدفاع الشرعي عن النفس لا يمكن تفسيره تفسيرا موسعا يسمح بضرب دول ثالثة لمجرد وجود قوات أجنبية على أراضيها، إلا إذا ثبت أن تلك الدول شاركت بشكل مباشر في الهجوم أو سمحت باستخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية.

لقد حاولت إيران تبرير ضرباتها بالاستناد إلى حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة (51) من الميثاق، بحجة أن القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، تشارك في العمليات العسكرية ضدها، وبالتالي فإنها تتحول إلى أهداف مشروعة.

غير أن هذا التبرير يظل محل رفض واسع بين فقهاء القانون الدولي، لأن الدول الخليجية نفسها ليست طرفا مباشرا في النزاع ولم تعلن الحرب على إيران، وحاولت منعها قدر المستطاع ونفت استخدام أراضيها للعدوان، مما يجعل استهداف أراضيها مساسا بمبدأ السيادة الإقليمية، إذ إن مجرد عقد دولة اتفاقيات دفاعية مع دولة أخرى لا يعني بالضرورة أنها أصبحت طرفا في النزاع، ما لم يثبت تورطها المباشر في العمليات العسكرية.

من جهة أخرى، يطرح الفقه القانوني المعاصر نقاشا حول مسؤولية الدول التي تُستخدم أراضيها لعمليات عسكرية، إلا أن هذا لا يبرر بأي حال العدوان الإيراني المباشر؛ إذ إن مجرد وجود قوات أجنبية لا يمنح طهران الحق في انتهاك سيادة الدول الأخرى.

إعلان

ورغم أن الفقه يربط مشروعية استهداف القواعد بالضرورة العسكرية القصوى، فإن السلوك العسكري الإيراني يتجاوز هذه الضوابط عبر شن عمليات واسعة تستهدف عمق أراضي دول الخليج وبنيتها التحتية، وهو ما يخرج عن إطار “الرد” إلى دائرة الاعتداء غير القانوني.

وفي هذا السياق، فإن تعمد إيران استهداف منشآت اقتصادية حيوية بقطاعي النفط والموانئ في دول الخليج، يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ التمييز ومواثيق جنيف 1949.

إن هذا الإصرار على ضرب الأهداف المدنية يكشف عن سياسة تصعيدية تهدف لزعزعة استقرار المنطقة، وتوسيع نطاق النزاع بشكل غير مشروع، رغم المبررات السياسية التي يجري تقديمها من طرف المسؤولين الإيرانيين.

ثالثا: إشكالية توسيع نطاق النزاع

يحذر العديد من فقهاء القانون من أن توسيع العمليات العسكرية لتشمل دولا ثالثة غير مشاركة في النزاع قد يؤدي إلى تقويض نظام القانون الدولي القائم على سيادة الدول، فتوسيع نطاق الحرب خارج أطرافها المباشرين يهدد بإعادة إحياء منطق الحروب الإقليمية المفتوحة الذي سعى ميثاق الأمم المتحدة إلى الحد منه.

كما أن مثل هذه العمليات قد تخلق سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، تسمح للدول بتبرير ضرب أراضي دول أخرى بذريعة وجود قواعد عسكرية أجنبية، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل قاعدة حظر استخدام القوة التي تشكل حجر الزاوية في النظام الدولي.

انطلاقا من هذه الاعتبارات، يمكن القول إن مشروعية الضربات الإيرانية ضد دول الخليج تبقى موضع طعن قانوني كبير، فمع التسليم بأن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يعتبر هجوما عدوانيا مسلحا يبرر ممارسة حق الدفاع عن النفس، فإن توسيع العمليات العسكرية ليشمل أراضي دول ثالثة غير مشاركة مباشرة في النزاع يظل مرفوضا من منظور القانون الدولي، ويعد انتهاكا لمبدأ السيادة الإقليمية وحظر استخدام القوة.

ولذلك فإن مقاربة إشكالية أمن دول الخليج تحتاج إلى المزاوجة بين تعزيز احترام الشرعية الدولية والدفاع عن قواعد القانون الدولي من جهة، والعمل على امتلاك إستراتيجية دفاعية مستقلة للأمن الإقليمي.

رابعا: الشرعية الدولية وأمن الخليج الإقليمي

تكشف هذه الأزمة عن مفارقة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي في الخليج، فمن جهة تسعى دول الخليج إلى حماية أمنها من التهديدات الإقليمية عبر التحالفات العسكرية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لكن الحفاظ على أمن الخليج من جهة أخرى، لا يمكن أن يتحقق فقط عبر التوازنات العسكرية، لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى بلورة مقاربة أمنية خليجية متعددة الأبعاد تجمع بين بناء قدرات دفاعية إقليمية مشتركة، وتطوير آليات للحوار الإقليمي مع القوى المجاورة، وتعزيز الالتزام بالقانون الدولي كإطار منظم للعلاقات بين الدول.

فاستقرار الخليج- بحكم موقعه الجيوسياسي وأهميته في أمن الطاقة العالمي- لا يمكن ضمانه فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر نظام إقليمي يقوم على التوازن والشرعية القانونية في آن واحد.

ومن منظور إستراتيجي، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير مقاربة أمنية خليجية تقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

  • تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية.
  • بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي إقليمية مشتركة.
  • وبناء مصالح مشتركة مع تطوير قنوات دبلوماسية لخفض التوتر مع القوى الإقليمية الكبرى.

لذلك فإن الاستقرار المستدام في الخليج يتطلب بناء توازن إقليمي للقوة يضمن الردع المتبادل ويقلل من احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة حروب بالوكالة بين القوى الكبرى

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مشاركة الخبر: فيسبوك إكس واتساب