محمد مهدي شمس الدين.. رائد نظرية ولاية الأمة ورفض ولاية الفقيه المطلقة
ما بعد الغيبة الكبرى يشكل تحدياً فلسفياً وسياسياً للإسلام الشيعي، وفي قلب هذا التحدي برز فكر العلامة محمد مهدي شمس الدين الذي نهض بنظرية “ولاية الأمة على نفسها”، معارضاً ولاية الفقيه المطلقة التي أرساها آية الله الخميني. يرى شمس الدين أن الولاية المعصومة خاصة بالمعصوم ولا يمكن تفويضها أو وراثتها للفقيه، وقد استند إلى التراثين الشيعي والسني لتأكيد أن الأمة هي صاحبة السيادة في غياب الإمام، حيث تختص بمختلف شؤونها دون انتقال كامل للصلاحيات إلى الفقيه.
تأثر بشمس الدين بعلامة موسى الصدر والمدرسة الدستورية الشيعية التي تأسست في ثورة إيران الدستورية مطلع القرن العشرين، وبلغتم طموحه نحو نظام ديمقراطي دستوري يضم جماعة شيعية قوية في دولة ظلها ديمقراطي مع احترام الحريات، دون اللجوء إلى الكفاح المسلح الذي تبنّاه البعض من التيار الإيراني الصاعد آنذاك. وقد شغل شمس الدين رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، مسيطراً على الخط الدعوي والسياسي الإصلاحي في بيئة متغيرة عقب الاجتياح الإسرائيلي وازدياد نفوذ إيران.
يمثّل رفضه لولاية الفقيه المطلقة مفصلاً واضحاً يميز التيار الإصلاحي الذي يرفض الممارسات الثورية والتصدير الإيديولوجي، ويدعو إلى التوافق المدني وترسيخ الحكم الدستوري. كما يبرز موقفه من التداخل والتأثير بين الحركات الإسلامية في إيران ومصر، حيث رأى علاقة فكرية وتأثيرات متبادلة، لكنه حافظ على آفاق إصلاحية معتمدة على الكفاح المدني، بما يشبه موقف الشيخ محمد الغزالي.
يُظهِر موقف شمس الدين أن هنالك خلافات جوهرية بين التيارات الشيعية حول طبيعة السلطة في زمن غيبة الإمام، تتعلق بالحق في التشريع والسلطة الدينية والسياسية، وتلك الخلافات فقهية وفلسفية وأيديولوجية عبرت عن أبعادها في السياسة اللبنانية والإيرانية. توضح دراسة الباحث حيدر حب الله أن شمس الدين دعا إلى مصالحة مع الأنظمة العربية ورفض العمل المسلح، فيما التيارات الأخرى لعبت دوراً في تجذير ولاية الفقيه وتعزيزها في لبنان من خلال حركة حزب الله.
في النهاية، يبرز محمد مهدي شمس الدين كمرجعية فكرية إصلاحية داخل الفكر الشيعي، يمكن أن تشكل نقطة ارتكاز لفهم تنوع المدّ القيمي والسياسي داخل الشيعة، وأهميته تكمن في كونه صوتاً يدعو للحوار والنهج الدستوري والحضاري بدلاً من العنف والولاية المطلقة.

اترك تعليقًا