بعد إقالة مديحة الخيير.. هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي سلطة رقابية في المغرب؟
في خطوة تاريخية في المشهد السياسي المغربي، تم إعفاء الوزيرة مديحة خيير المنتمية لحزب الاستقلال من مهامها بعد يومين فقط من تعيينها في الحكومة الجديدة، وهو أسرع إعفاء في تاريخ الحكومات المغربية. جاء هذا القرار بعد حملة مكثفة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التي كشفت عن وثيقة طبية وتسريبات تتعلق بقضية نصب واحتيال تورطت فيها الوزيرة قبل حوالي 20 عاماً. وأدى هذا الإعفاء إلى فتح باب النقاش الرقمي بشكل واسع، حيث بدأ رواد منصات التواصل الاجتماعي بمراجعة وتحليل ملفات وزراء آخرين يشغلون مناصب في الحكومة، مع التركيز على مساراتهم المهنية والشخصية، مما أدى إلى الكثير من الجدل والمطالبات المتكررة بإقالتهم أيضاً.
تصاعدت الحملات الدعائية ضد عدد من الوزراء، حيث استهدفت الاتهامات وزير الصيد البحري المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي، الذي تداولت ضده وثائق تتعلق بصفقة دراسات يشتبه في وجود مخالفات في طريقة إسنادها وغيرها من شبهات بخصوص تبديد المال العام ونزاعات مالية مع شركات تأمين. في المقابل، طالت الاتهامات وزيرة الإسكان فاطمة السعدي المنتمية لحزب الأصالة والمعاصرة، حيث تداولت منصات رقمية أخباراً عن صدور حكم قضائي ضدها بالسجن شهراً غير نافذ بتهمة الشطط في استعمال السلطة.
ردت الأحزاب المعنية بشكل عاجل عبر مواقعها الرسمية، حيث نفى مصدر قريب من الوزيرة فاطمة السعدي وجود أي متابعة أو أحكام قضائية ضدها، مؤكداً أن القضية تعود لعام 2013 وتتعلق بإجراءات قانونية أثناء ترأسها لبلدية الحسيمة، مع تقديمها لحكم قضائي نهائي ببراءتها. كما نفى حزب الاتحاد الاشتراكي صحة الاتهامات التي توجهت إلى الوزير المهدي المزواري، مشيراً إلى أن وضعية الوزير سليمة وأن الاتهامات مجرد شائعات، وأكدوا أن نشاطه الخاص توقف منذ سنوات دون أي نزاع قضائي.
وفي تصريح لمحطة الجزيرة، أكّد عبد الكريم لشكر، نقيب حزب الاتحاد الاشتراكي، أن حزبه يبذل جهوداً مستمرة عبر قنوات رسمية لتصحيح المعلومات المزيفة، مشيراً إلى وجود رغبة مكررة لدى بعض الجهات في نشر إشاعات رغم نفيها. وشدد لشكر على أن العمل في الفضاء العام له ثمنه، وأن الدولة تمتلك الآليات القانونية لترتيب الآثار إن ثبتت صحة اتهامات، معتبراً أن حالة فقدان الثقة في الداخل السياسي تؤدي إلى تصديق الإشاعات بسهولة.
ومن جانبه، يرى محمد كريم بوخصاص، أستاذ الصحافة بجامعة مولاي إسماعيل، أن هذه الحملات تؤشر على اتساع مطالبة المواطنين بمساءلة المسؤولين الحكوميين، وأن مواقع التواصل سهلت من عملية التحقيق والاطلاع على ملفات المسؤولين بشكل أسرع من وسائل الإعلام التقليدية. كما أكد أن هذه الرقابة الرقمية لا تزال بحاجة إلى المزيد من التوثيق والتمييز بين الشبهات والادعاءات المؤكدة.
في المقابل، يشير المحلل السياسي محمد شقير إلى ظهور ناشطين غير تقليديين في منصات التواصل أصبح لهم دور رقابي مباشر على الأداء السياسي، مشدداً على أن هذا التحول يخلق توازناً جديداً في المشهد السياسي ويجعل المسؤولين أكثر حذراً في تصرفاتهم.
رغم الآثار الإيجابية لهذه الدينامية، هناك مخاوف من تحول الحملات الرقمية إلى وسائل تصفية حسابات سياسية بين الخصوم. ورغم ذلك، لا يغفل المحللون أن هذا الواقع يمثل ولادة “سلطة خامسة” تفوق في بعض الأحيان الإعلام التقليدي المرتبط بمصالح حزبية. ويبقى التحدي في تحقيق التوازن بين الرقابة المجتمعية المشروعة ومواجهة استخدام هذه الأدوات لأغراض سياسية ضيقة.

اترك تعليقًا