تركيا وتحويل مضائق البوسفور إلى أداة نفوذ في الأزمة الأوكرانية
تشهد مضائق البوسفور، التي تصل بحر إيجة والبحر الأسود عبر ممرات بحرية ضيقة، دوراً متزايد الأهمية في الأزمة الأوكرانية الحالية، حيث استغلت تركيا موقعها الاستراتيجي ونظامها القانوني المستمد من اتفاقية مونترو لتتحول إلى حارس لهذا الممر البحري الحيوي. في السنوات الأخيرة، ازدادت أهمية المضائق بفضل موقعها الحساس الذي يربط موانئ شحن الحبوب الأوكرانية والأسواق العالمية عبر البحر الأسود، ما جعل أنقرة تلعب دوراً مركزياً في تأمين حركة السفن وضمان تدفق البضائع رغم التوترات العسكرية. أثبتت تركيا في أغسطس 2022 من خلال استضافتها وتنسيقها للعمليات المشتركة على متن السفينة التجارية “رازوني” قدرة كبيرة على فرض قواعد واضحة للسفن العابرة، ما عزز من مكانتها كوسيط حاسم بين الأطراف المتنازعة، وضمن مصالحها الجيوسياسية بشكل عام. تاريخياً، اصطدمت سيطرة تركيا على المضائق بتدخلات القوى الكبرى، حيث أن اتفاقيات باريس ولندن ترافقت مع تضييقات على حرية الحركة التركية، حتى جاءت اتفاقية مونترو عام 1936 التي أعادت لها الحق في إدارة المضائق وتحديد قواعد العبور. واليوم، يستخدم النظام التركي هذه الصلاحيات لتعزيز نفوذها الإقليمي، حيث أن اللوائح المتبعة تتحكم باشتراطات مرور السفن الحربية والتجارية، خاصة في ظل المخاطر الأمنية من جراء النزاع الروسي الأوكراني المتصاعد. ومع استمرار الأزمة، تبرز قدرة تركيا على المناورة السياسية والاقتصادية من خلال موقعها الجغرافي الفريد، مما يجعلها لاعباَ لا يمكن تجاوزه في ضبط إيقاع التوازنات الأمنية في البحر الأسود، وضمان أمن مرور الملاحة وحماية المصالح الاقتصادية الحيوية في المنطقة. هذا التفاعل بين التاريخ، الجغرافيا، والقانون الدولي جعل من مضائق البوسفور أداة نفوذ تركية مهمة على صعيد السياسة الدولية، توظفها أنقرة كرافعة لتعزيز مكانتها في أزمات دولية معقدة وتفرض من خلالها شروطها على اللاعبين الأساسيين في المنطقة.
