تزايد حظر النقاب في أوروبا: بين الأمن والاندماج ومخاوف حقوق الإنسان
في الأسابيع الأخيرة، عادت قضية ارتداء النقاب والبرقع إلى واجهة الجدل في عدة دول أوروبية، حيث اتخذت السلطات خطوات قانونية جديدة لتقييد هذه الملابس الدينية في الأماكن العامة، وخاصة في المؤسسات التعليمية. ففي إسبانيا، صادق مجلس مدينة لاردة على تعديل لائحة السلوك والتعايش المدني التي تحظر تغطية الوجه بالكامل في الأماكن العامة، مع استثناءات محددة، وتفرض غرامات مالية بلغت بين 400 و750 يورو على المخالفين. وتأتي هذه الخطوة في ظل غياب تشريع وطني صريح في إسبانيا، ما يزيد من أهمية القرار المحلي الذي صدق عليه بأغلبية في المجلس البلدية.
وفي البرتغال، أقر البرلمان في يوليو قانونًا يحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة، مع استثناءات عديدة تشمل الصحّة، العمل، والطقس، كما تضمنت الغرامات المالية التي قد تصل إلى 3000 يورو. وقد وقع الرئيس القانون رسميًا في أغسطس، مستكملاً بذلك مسار التشريع الذي أثار جدلاً واسعًا.
أما في إيطاليا، فقد أعلنت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني عن حظر ارتداء البرقع والنقاب في المدارس، وقدمته كجزء من سياسة تعزيز الاندماج والتعلم، مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى منع العزلة داخل الفصول التعليمية. وبموجب هذا القرار، صار مجلس الوزراء يقر المرسوم في أواخر سبتمبر الجاري.
المبررات التي تقدمها الدول المختلفة للحظر تنقسم إلى ثلاثة محاور رئيسية: تمكين التعرف إلى هوية الأشخاص لأسباب أمنية، تعزيز فكرة الاندماج والتواصل داخل المجتمع، بالإضافة إلى حماية النساء من احتمال وجود إكراه وتمييز. ومن جهة أخرى، ينتقد العديد من الحقوقيين ومنظمات حقوق الإنسان هذه الإجراءات، معتبرين أن حظر النقاب قد يزيد من عزلتهن، ويحد من حريات التعبير والحرية الدينية التي كفلها القانون الدولي واتفاقيات حقوق الإنسان.
تؤكد تقارير حقوقية، ومن بينها منظمة العفو الدولية، أن الحظر له تأثيرات سلبية على النساء المسلمات وحرمانهن من حق التعليم والعمل والخدمات الأساسية، مما يعمق المشكلة بدلًا من حلها. وأشارت المفوضية الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان كذلك إلى أن هذه الإجراءات تتزامن مع تصاعد حالات التمييز والعنصرية ضد المسلمين في أوروبا، حيث أظهرت إحصائيات حديثة تعرض ما يقارب نصف المسلمين الذين شملهم المسح لمضايقات عنصرية.
ورغم أن النقاب لا يرتديه سوى عدد محدود من النساء في أوروبا، إلا أن هذه القضية رمزية في نقاشات الهوية والهجرة والاندماج الوطني، وتغذيها الأجواء السياسية الحادة التي تشهدها القارة، خاصة مع صعود أحزاب سياسية يمينية وقومية تتوافق على جعل هذه القضايا أساسا في برامجها الانتخابية.
وفي هذا السياق، يستمر الجدل حول ما إذا كانت دول أوروبية أخرى ستتبع هذا النهج، وربما توسع القيود لتطال الحجاب وغيره من الرموز الدينية الإسلامية، ما يطرح أسئلة كبرى حول مستقبل دور الدين في المجال العام والحقوق والحريات.
جدير بالذكر أن أوروبا شهدت منذ العقد الماضي سلسلة قوانين متشددة على تغطية الوجه، بدأت في فرنسا عام 2010 وانتشرت إلى بلجيكا، بلغاريا، الدنمارك، النمسا، وهولندا وغيرها، مع اختلاف في نطاق الحظر وأماكن التطبيق، ما يعكس تفاوتًا في السياسات بين دول القارة.
