العدالة الانتقالية في سوريا تدخل مرحلة اختبار حاسمة بمصير بشار الأسد في روسيا
تشهد العدالة الانتقالية في سوريا اختبارًا حساسًا بعد انتقالها من مرحلة الملاحقة الأمنية والسياسية إلى المسار القضائي الحاسم، مع صدور أحكام بالإعدام غيابياً بحق رموز النظام السابق، ويأتي في مقدمتهم بشار الأسد وشقيقه ماهر. هذا التحول يشكّل نقطة مفصلية في الملف السوري، حيث يبرز السؤال عن إمكانية تنفيذ هذه الأحكام في ظل وجود الأسد في روسيا التي تمنحه لجوءًا إنسانيًا، ما يعقد قدرة دمشق على تحويل الأحكام إلى واقع ملموس.
يرى الباحث السياسي بسام السليمان أن دخول العدالة الانتقالية إلى المحاكمة الفعلية يعني انطلاق المسار القضائي بشكل كامل، بعدما كان يقتصر سابقًا على الاعتقالات والملاحقة دون محاكمة بسبب عدم الجاهزية، مؤكداً أن صدور حكم إعدام غيابي بحق بشار الأسد يضمن للدولة السورية سندًا قانونيًا تسعى لتطبيقه. ويشير السليمان إلى أن حماية من يُتهم بارتكاب جرائم كبرى ضد السوريين يعني تحمل الدولة تبعات أخلاقية وعلاقات شعبية مضطربة.
من جانبه، يوضح الدبلوماسي السابق فيتشسلاف ماتوزوف أن منح الأسد لجوءًا إنسانيًا من قبل القيادة الروسية، يمنعه من ممارسة أية أنشطة سياسية داخل روسيا أو خارجها، مشيرًا إلى أن موسكو لا تعتزم تغيير هذا القرار في ظل علاقات متوازنة مع النظام السوري، خاصة بعد اتفاق مبدئي على استمرار الوجود العسكري الروسي في قواعد حميميم وطرطوس.
يتوقع السليمان أن تقلص الوجود العسكري الروسي في سوريا بعد عامين من الحضور المكثف، مع الإبقاء على بعض مراكز التدريب، وخضوع الاتفاقات السابقة لإعادة هيكلة، محذراً من أن استمرار دعم الأسد من روسيا قد يفتح جروحًا بين السوريين والروس تدوم عقودًا.
يربط السليمان نجاح العدالة الانتقالية بتجنب الانتقام والانتقائية، ويرى أن القضيتين الأساسيتين يجب أن تكونا محاسبة كبار المتهمين، وفي المقدمة بشار الأسد، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والطائفية لتجنب المزيد من الصراعات الداخلية. أما محاكمة عاطف نجيب الأخيرة حضورياً فتؤكد تقدم المسار القضائي وترسيخ ثقة السوريين بالقضاء.
في المقابل، يؤكد ماتوزوف أن الأحكام القضائية في سوريا تبقى شأنًا داخليًا سوريا، وأن روسيا تبقى متمسكة بمنح الأسد الحماية بشكل إنساني، مع وصول سفير روسي جديد إلى دمشق لتعزيز العلاقات مع السلطة السورية الجديدة.
يترقب السوريون والعالم تطورات هذا الملف الذي يربط بين العدالة والسياسة، حيث يتحول مصير بشار الأسد إلى نقطة تقاطع بين محاسبة النظام السابق ومدى قدرة موسكو على حماية حليفها، ما يجعل من العدالة الانتقالية في سوريا مسألة محورية في مسيرة استقرار المنطقة، وسط تعقيدات داخلية وخارجية متشابكة.

اترك تعليقًا