لغز المسيّرات العابرة للأردن: تحفّظ سياسي رغم معرفة الجهات الأمنية
في خطوة أثارت العديد من التساؤلات، أعلنت القوات المسلحة الأردنية في الساعات الماضية عن اعتراض وإسقاط مسيّرة اخترقت المجال الجوي للمملكة انطلاقاً من الصحراء الشرقية المجاورة للعراق، إلا أن البيانات الرسمية غابت عن تسمية جهة إطلاق هذه المسيّرات، خلافاً لما جرى في حوادث سابقة حيث كانت إيران تُذكر صراحة كمصدر لهذه الطائرات دون طيار.
مصادر مطلعة في عمّان كشفت لـ”الجزيرة نت” أن الأجهزة الأمنية تملك معطيات فنية واستخبارية ترجح أن الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران هي من تقف وراء هذه الهجمات العابرة للحدود، إلا أن هذا التقييم الأمني لا يُعلن رسمياً ضمن البيانات الرسمية، وهو ما يُفسر بأنه انعكاس لمقاربة سياسية تسعى إلى تحقيق توازن بين حماية الأمن الوطني والحفاظ على علاقات متقدمة مع العراق في ظل تقارب سياسي إستراتيجي بين البلدين.
ويصف سياسي أردني بارز المشهد بأنه يعكس مخاوف من تحول في طريقة عمل الفصائل العراقية، التي باتت أكثر لامركزية في اتخاذ قراراتها الميدانية مما يصعّب السيطرة عليها ويزيد من مخاطر تقلباتها الأمنية، في إشارة إلى الهجمات الأخيرة التي استهدفت السعودية أيضاً كتأكيد لهذا التحوّل.
ويتضح من خلال قواعد القرار الأردني أن التحفظ الرسمي على تحميل العراق المسؤولية يُعبر عن موقف يُميز بين الدولة العراقية الرسمية المتمثلة في الحكومة التي تسعى حثيثاً لتعزيز نفوذها وسيطرتها، وبين الفصائل المسلحة التي تنشط خارج نطاق سلطة الدولة الرسمية.
ويشير اللواء الطيار المتقاعد مأمون أبو نوار إلى أن القوات المسلحة الأردنية تمتلك تقنيات متطورة تمكنها من معرفة تفاصيل ومصدر كل مسيّرة تُسقط، من خلال فحص الحطام المطروح والذي يحتوي على أنظمة إلكترونية وتوجيه تسمح بتتبع مسارها ونقطة انطلاقها، مؤكداً أن نسب النجاح في إعتراض هذه المسيّرات تصل إلى نحو 85% ما يعكس قدرة عالية في التصدي لأي تهديدات جوية.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي ماهر أبو طير أن استخدام شرق العراق كمنصة لإطلاق هذه الهجمات ليس جديداً، وأنه جزء من اتجاه إقليمي أكبر يستفيد من المناطق غير المسيطر عليها بالكامل لمهاجمة دول الجوار، مؤكداً على أهمية جهود بغداد في حصر السلاح بيد الدولة لضمان استقرار العراق والمنطقة ككل.
في النهاية، تواصل الأردن ملامسة تحديات أمنية معقدة على جبهتها الشرقية، إذ يتطلب الوضع تأهباً عالياً وجهوداً متزامنة على صعيدي الأمن والسياسة للحفاظ على استقرار وأمن المملكة دون الإضرار بالعلاقات الدبلوماسية الحساسة مع العراق، في وقت تستمر فيه مراقبة تحركات الفصائل المسلحة المسؤولة عن إطلاق هذه التهديدات.

اترك تعليقًا