شيعة العراق وعلاقاتهم بإيران بين عهد صدام وموكب خامنئي
تشير زيارة موكب تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في العراق إلى تحولات عميقة في طبيعة العلاقة بين شيعة العراق وإيران، والتي عكست تاريخاً معقداً من التوتر والتعاون يشمل بعداً دينياً وسياسياً وأمنياً. في عهد صدام حسين، كان نظامه يعتبر الارتباط الديني بين شيعة العراق والإيرانيين مصدراً للقلق، لا سيما بعد نشوء الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979 التي أرسى خلالها الخميني نموذج ولاية الفقيه لدور رجل الدين في الحكم. قدّم صدام حسين خلال حكمه سياسة قمعية ضد المرجعيات الشيعية العراقية، إذ اعتُقل وأُعدم العديد من قادة المعارضة الدينية والسياسية مثل المرجع محمد باقر الصدر، وعائلات بارزة مثل عائلة الصدر والحكيم والخوئي. كما شملت حملات القمع انتفاضات شيعية عدة قوبلت بدوريات أمنية قاسية واعتقالات وإعدامات. ورغم ذلك، ظل علي السيستاني يحتفظ بمركز ديني رفيع لكنه بعيد عن السياسة العلنية في زمن صدام، قبل أن يبرز دوره بعد سقوط النظام عام 2003 ليصبح المرجع الأبرز للشيعة في العراق. في هذه المرحلة، شهد العراق فتحاً واسعاً لممارسة الشعائر والحياة السياسية الشيعية، مع عودة عدد من الشخصيات الدينية والسياسية من المنافي. وارتبطت العلاقة بين إيران وبعض الفصائل الشيعية العراقية بدعم عسكري وسياسي بما فيها فيلق بدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. وقاد قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني دوراً محورياً في بناء النفوذ الإيراني في العراق حتى مقتله في عام 2020. مواقف السيستاني تعكس محاولة الحفاظ على استقلالية المرجعية الدينية العراقية وضبط النفوذ الأجنبي، عبر تشجيع الوحدة الوطنية واحترام السيادة العراقية، خصوصاً في ظل الأزمات الأخيرة والحروب الإقليمية. تعكس هذه المرحلة تحولات في العلاقات التاريخية والاجتماعية والسياسية بين شيعة البلدين، التي تحولت من توتر وحذر أمني إلى شبه تعاون وتداخل سياسي وديني، مع بقاء جدل حول حدود النفوذ الإيراني في العراق وتطوير الدولة العراقية. زيارة موكب خامنئي في العراق وما رافقها من مواقف السيستاني تؤكد أن هذا التحول متواصل ويستحضر رهانات على السيادة والعلاقات الإقليمية في ظل واقع سياسي هش وحساسات طائفية وتقسيمات داخل المجتمع العراقي.

اترك تعليقًا