كيف أعادت الجيوسياسة رسم خريطة الاستثمار العالمي في 2026؟
أصدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) تقرير الاستثمار العالمي 2026، الذي يرسم ملامح حركة الاستثمار الدولي ضمن سياق جيوسياسي متقلب وتنافس تكنولوجي متصاعد. ويشير التقرير إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بلغت 1.624 تريليون دولار في عام 2025، بزيادة 6% عن العام السابق، رغم هشاشة النمو التي تعكسها محددية المشروعات العملاقة التي يقفز بها الرقم الإجمالي.ويأتي الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في صدارة القطاعات المستقطبة للاستثمارات، حيث ارتفعت مشروعاتها بنسبة أكثر من 80%، بينما تراجعت الاستثمارات في الصناعات التقليدية مثل الإلكترونيات والسيارات والمنسوجات بشكل ملحوظ. وتنحصر حصة الاستثمار في 20 دولة فقط، مع تفاقم الفجوة الاقتصادية بين الدول الكبرى والدول النامية التي تواجه صعوبة في جذب رؤوس الأموال، ويعود ذلك جزئياً إلى تزايد السياسات الصناعية والدعم الحكومي الموجه والاستراتيجيات الأمنية المتشددة التي أصبحت تؤثر في تحركات المستثمرين العالمية.ومع تصاعد التدخلات الحكومية في توجيه الاستثمارات، فقد تضاعفت إجراءات السياسات الاستثمارية خلال 2025، مع زيادة نسبة السياسات التقييدية واستخدام الحوافز المالية كأداة جذب رئيسية. كما تضاعفت الدول التي تطبق فحص الاستثمارات لأسباب أمنية، في ظل تنامي المخاوف الجيوسياسية التي تعتبر المحرك الأبرز لتوجهات المستثمرين، بحسب استطلاع الأونكتاد.على المستوى الإقليمي، شهدت أوروبا ارتفاعاً كبيراً في قيمة التدفقات الاستثمارية بنسبة 39% إلى 285 مليار دولار، في وقت حافظت آسيا على ريادتها، مع تصدر الهند ودول جنوب شرق آسيا كأكبر مناطق الجذب، رغم التراجع في شرق آسيا بما فيها الصين. وحقق الاستثمار في أفريقيا ثالث أعلى مستوياته منذ عام 1990 رغم التحديات الاقتصادية. ويرى التقرير أن العالم بات في عصر الاستثمار الاستراتيجي، حيث تشكل القطاعات الاستراتيجية كالتكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة نحو 44% من إجمالي الاستثمار الأخضر العالمي، مما يعكس تحولا جوهرياً في خريطة الاستثمار العالمي نحو الأمن والاستراتيجية بدلاً من الكلفة والكفاءة فحسب.ويخلص التقرير إلى أن الدول التي تمتلك قدرات دعم حكومي وسياسات صناعية متكاملة تستحوذ على النصيب الأكبر من الاستثمارات، في حين يتعرض الاستثمار الصناعي التقليدي إلى تراجع حاد خصوصاً في الدول منخفضة الدخل، ما يشير إلى تعزيز دور الدول الكبرى في صياغة خارطة الاستثمار المستقبلية وسط تنافس عالمي محتدم.

اترك تعليقًا