الشعبوية اليمينية بين المكاسب والانقسامات الداخلية: هل بدأ أفولها؟
على مدى العقد الماضي، تمكنت الشعبوية اليمينية من تحقيق مكاسب سياسية غير مسبوقة في عدة دول، من أوروبا إلى الولايات المتحدة، حيث استندت إلى خطاب يسوده الصدام مع خصومها السياسيين والمؤسسات التقليدية. ولكن هذا الخطاب الذي يُمجد المواجهة والعدوانية بدأ يكشف عن تناقضات داخلية قد تؤدي إلى تفكك هذه الحركات كما يرى الكاتب جانان غانيش في صحيفة فايننشال تايمز.
في بولندا، يشهد حزب “القانون والعدالة” انقسامات حادة بين تيار يدعو إلى تشدد أكبر وآخر يرغب في توسيع قاعدة تأييده الانتخابي، ما أدخل الحزب في صراعات دفعت إلى تشكيل تكتلات داخلية، أبرزها تلك التي يقودها رئيس الوزراء السابق ماتيوش مورافيتسكي. وفي بريطانيا، يخسر حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج مؤيدين لصالح أحزاب يمينية أكثر تطرفاً. أما في فرنسا وإيطاليا، فتظهر بوادر منافسة بين قيادات وأحزاب شعبوية جديدة والأحزاب التقليدية نفسها.
في الولايات المتحدة، يبقى الحزب الجمهوري موحداً إلى حد كبير تحت ظل زعامة دونالد ترمب المستمرة، ولكن خلافات جذرية حول السياسة الخارجية والهوية الدينية تنذر بصراعات محتملة عميقة بعد زعامة ترمب. ينتقل الصراع بين توجهات أكثر تقليدية وحذرة وأخرى أكثر تشدداً، ما يفتح باب الاستقطاب والأزمات الداخلية المستقبلية.
يرى غانيش أن وجود شخصية كاريزمية هو ما يحافظ على هذا التماسك رغم التناقضات، إذ تؤخر قيادات مثل ترمب وفاراج الانقسامات التي قد تكون قاتلة للحركات الشعبوية، لكن تقدمهم في السن وتراجع تأثيرهم يطرح أسئلة حول مستقبل هذه الحركات. ويضيف أن الطبيعة العدائية للصراعات داخل هذه الحركات تجعل من الصعب عليها الحفاظ على الوحدة بين أعضائها، حيث أن أسلوب التعامل العدائي تجاه الأعداء يمارس نفسه داخل الحلفاء، مستدلاً بأن الأنظمة السلطوية تواجه مصيراً مشابهاً بسبب نزعتها للصراع الدائم.
يخلص الكاتب إلى أن أفضل طريقة لمواجهة الشعبوية هي استغلال هذه التناقضات الداخلية وإبراز الخلافات بينها خصوصاً بشأن قضايا دولية كروسيا والهجرة والعلاقة مع الولايات المتحدة، معتبراً أن ما يظهر على أنه ضعف في الأحزاب الليبرالية بسبب استعدادها للتسويات والتنظيم هو في الواقع مصدر قوتها الذي من شأنه أن يحفظ تماسكها على المدى الطويل، على عكس الشعبوية التي تميل إلى التفتت عند غياب القائد اللافت.

اترك تعليقًا