اللحظة التاريخية لنهاية احتكار واشنطن لقواعد الأمن الإقليمي
تشهد المنطقة الشرق أوسطية لحظة حاسمة في مسار النظام الأمني الإقليمي، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية التي فرضتها واشنطن منذ عام 1991. في دراسة حديثة نُشرت في مركز الجزيرة للدراسات، قدمت الباحثة فاطمة الصمادي تحليلاً معمقاً استند إلى مقابلة بين أفكار محسن رضائي، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، وأطروحة عالم السياسة مارك لينش، مؤسس مفهوم “نهاية الشرق الأوسط الأمريكي”.
ترى الصمادي أن الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران لم تُنه الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، لكنها مزقت شرعية النظام الإقليمي الذي كان قائماً على حماية الحلفاء واحتواء إيران وتأمين الملاحة في مضيق هرمز. من جهة، فشل هذا النظام في إسقاط إيران، ومن جهة أخرى، لم يتمكن من تقديم حماية كاملة للحلفاء وإبقاء الممر الحيوي مفتوحاً.
تصريحات رضائي تكشف عن رؤية إيرانية تسعى لموقع فاعل ومؤسس داخل النظام الأمني الجديد، حيث ترفض أن تقتصر المشاركة الإيرانية على مجرد المصادقة على ترتيبات صاغتها دول أخرى بعد انسحاب جزئي أمريكي. فهي تشدد على ضرورة إعادة تأسيس النظام الأمني بمشاركة شاملة من إيران ومصر دولاً مؤسساتية، وليس مجرّد التابعين.
ميثاق مكة الذي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان يشير إلى محاولات لتعبئة القوى الإقليمية لملء الفراغ الأمني الناشئ عن التراجع الأمريكي، لكنه يطرح أسئلة حول استبعاد أو تقليل دور إيران. تعتبر إيران الميثاق خطوة جزئية وليست نهائية، وتطالب بفهم تعريف التهديدات العسكرية وشروط التفاهمات المتبادلة داخل الاتفاق لتفادي اعتبارها تهديداً أمنياً أو عسكرياً.
بالإضافة إلى التحولات الأمنية التقليدية، تطرقت الدراسة إلى أزمة نظام عدم الانتشار النووي، حيث يرى رضائي أن إيران التزمت بالمعاهدات الدولية رغم أنها تعرضت لهجمات أمريكية، ما يضعف الثقة المتبادلة بين الأطراف ويشكك في مفاعيل هذه الاتفاقات.
تخلص الدراسة إلى أن هذه المرحلة الانتقالية لن تشهد نظاماً أمنياً إقليمياً موحداً يحل محل الهيمنة الأمريكية بقدر ما ستشهد تنافساً ومحاور متداخلة بين القوى الإقليمية والدول الكبرى مثل روسيا والصين، مع توسع دور دول كالتركية والباكستان ومصر وقطر. ولذلك، فإن النظام الأمني الجديد لا يزال مفتوحاً على مفاوضات وتفاعلات معقدة، والنوايا والمواقف الإيرانية تدل على رغبة حقيقية في أن تكون جزءاً فاعلاً في رسم قواعد هذا النظام، وليست مجرد طرف ثانوي.
