البحر الميت: تكوينه التاريخي وتحديات الانحسار البيئي
يُعتبر البحر الميت من أكثر المعالم الطبيعية الجيولوجية تميزًا في العالم، فهو بحيرة مالحة تقع في أخفض نقطة على سطح الأرض وتترواح ملوحتها بين الشديدة التي تمنع معظم أشكال الحياة المائية. يرجع تكون هذا البحر إلى تحولات كبيرة في حركة الصفائح القارية منذ حوالي 15 مليون سنة، حين انفصلت قارة أفريقيا عن شبه الجزيرة العربية، مكونة صدعًا خضعت له المنطقة، ما سمح بدخول مياه البحار المالحة وتكوين البحر الأحمر والبحر الميت. على مدى الآلاف من السنين، تشكلت بحيرات مالحة وعذبة متعددة في مناطق مختلفة مثل غور الأردن، من بينها بحيرات قديمة مثل “بحيرة أصدم” المالحة جدًا التي لا تعيش فيها الأسماك، و”بحيرة الشاغور” ذات ملوحة أقل يمكن للأسماك التكيف معها. ولكن مع الزمن جفت بعض هذه البحيرات ومن بينها بحيرات السمرة واللسان، التي انقسمت إلى بحيرة طبريا وبحيرة بيسان والبحر الميت الحالية. يتصف البحر الميت بتركيز عالٍ من المعادن النادرة التي تترسب بفضل تبخر المياه الذي يستمر من دون تعويض كامل. ومن الأسباب الرئيسية لانحسار مياه البحر الميت هو تحويل مجرى نهر الأردن، الذي كان يزوده بحوالي مليار و400 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، لكن حاليًا يصل إليه فقط 7% من هذه الكمية، ما أدى إلى انخفاض مستمر في منسوب المياه. كما أثرت مشاريع تحلية المياه التي أغلقت مصبات فرعية للبحر مثل وادي الموجب وزرقاء ماعين على تدفق المياه. إضافة إلى ذلك، ساهمت الصناعات التعدينية واستخراج المعادن في استنزاف مستويات المياه خاصة في الجزء الجنوبي. يرافق هذه الانخفاضات تراجع نسب الأمطار وارتفاع معدلات التبخر في المنطقة، مما يفاقم الانحسار. نتيجة لذلك، بدأ يظهر ما يعرف بالحفر الغاطسة حول البحر الميت، وهي حفر ناتجة عن إذابة الأملاح في التربة عند استخدام المياه العذبة في ري النباتات، وتشكل خطرًا كبيرًا على السكان والبنية التحتية. على مدى القرن الماضي، تقلصت مساحة سطح البحر من 950 إلى حوالي 600 كيلومتر مربع، مع توقعات باستمرار الانخفاض ليصل إلى أقل من 500 متر تحت مستوى سطح البحر العالمي بحلول عام 2400 إذا استمر الوضع دون تغيير. تُسلط أهمية هذا التقرير الضوء على أبعاد هذه الأزمة البيئية الفريدة التي تتطلب جهودًا مشتركة للحفاظ على البحر الميت وتساهم في رفع الوعي بتداعيات استنزاف الموارد الطبيعية في المناطق الهشة بيئيًا.
