حتى لو رحل نتنياهو.. لماذا ستستمر حروب إسرائيل؟
في يوليو 1948، عاشت مدينة اللد الفلسطينية مأساة لم تنسها الذاكرة العربية، حيث دارت معارك حاسمة أدت إلى سقوط المدينة بعد حصار دام، وكان هذا الركن من فلسطين بوابة السيطرة الصهيونية على قلب البلاد، عبر إجراءات ميدانية وأوامر رسمية لتطهير المدينة من سكانها الفلسطينيين. وأدت هذه الحروب وعمليات التهجير إلى نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين، ما شكّل بداية سلسلة من الأزمات التي لا تزال تُخيم على المشهد السياسي الفلسطيني الإسرائيلي حتى اليوم.
لم يكن إسحاق رابين الذي كان ضابطاً شاباً أثناء عملية داني سوى طرف في مسيرة سياسة إسرائيلية موحدة عبر سنوات طويلة، حين انتهجت الدولة الناشئة خطة صلبة للسيطرة والأمن، متخلية عن التسويات التامة في مواجهة الفلسطينيين. وبعد 45 عاماً على تلك الأحداث، عاد رابين كزعيم إسرائيلي يفاوض ويصافح، لكنه لم يتمكن من انتزاع سلام شامل، بل ترك قضايا الركائز الأساسية للنزاع معلقة كحق العودة والسيادة على القدس.
أما بن غوريون، مؤسس الدولة، فكان يعتقد أن قبول التقسيم لا يعني نهاية المشروع، بل بداية امتداد السيطرة. حتى اليوم، تتكرر هذه الرؤية بطريقة أو بأخرى عبر مختلف الحكومات، سواء كانت يمينية متشددة أو يسارية معتدلة، فجميعها تشترك في رفض الحقوق الفلسطينية أو تأجيلها.
وصحيح أن المشهد الانتخابي في إسرائيل اليوم يُبرز صراعات بين تحالفات يمينية متطرفة وأخرى معتدلة نسبياً، لكنها في جوهرها لا تختلف كثيراً في ما يتعلق بسياسات الاحتلال والتعامل مع الفلسطينيين. وهذا يجعل الواقع السياسي الفلسطيني والإسرائيلي محصوراً بين خيارين متشابكين يدوران في فلك المشروع الصهيوني المتجذر.
وعليه، فإن الاستقرار أو التغيير الديمغرافي والسياسي لا يضمن بالضرورة هدنة أو سلامًا، فالحرب التي اشتعلت في أكتوبر 2023 في غزة هي امتداد لجرح لم يلتئم بدأ في اللد وما حولها، رسالة صعبة أن الجذور ممتدة، والجوهر السياسي للحروب الإسرائيلية الفلسطينية لن يتغير بمجرد تبدل الوجوه على الساحة الإسرائيلية.
