عقوبات أميركية وتهديدات متصاعدة ضد المحكمة الجنائية الدولية
فرضت الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً عقوبات على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني، والمدعي العام عبدولاي سيي من السنغال، في خطوة تصعيدية ضمن حملة مستمرة من واشنطن ضد عمل المحكمة ومساءلتها. تأتي العقوبات على شكل تجميد للأصول وحظر دخول وقيود مالية، في ظل اتهامات أميركية للمحكمة بالتعدي على السيادة الأميركية وتهديد عناصر قواتها الأمنية حول العالم.
وترفض الولايات المتحدة الانضمام إلى المحكمة التي أنشئت عام 2002 ومحاكمتها الأفراد المسؤولين عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، رغم أن قضايا رئيسية صدرت بحق قادة دوليين مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ما جعل المحكمة في مرمى الانتقاد الأميركي.
وأكد السيناتور ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي سابقًا أن واشنطن تنوي تفكيك المحكمة “لبنة لبنة”، وتمت مراجعة استخدام أدوات قانونية واقتصادية إضافية لممارسة الضغوط على هيئات المحكمة وأنصارها، كما أبدت واشنطن استعدادها لفرض عقوبات على دول أخرى التي تدعم أو تتعاون مع المحكمة.
ويرى مراقبون قانونيون وأكاديميون، مثل كاي أمبوس، أن المحكمة ضرورية لمحاسبة المسؤولين الكبار وعدم إفلاتهم من العقاب، مؤكداً أن الجرائم الجسيمة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة، وأن المحكمة هي رد فعل دولي لتقوية سيادة القانون وحماية الضحايا.
ومع هذا التصعيد الأميركي، تواجه المحكمة مخاطر التأثير المثبط مما قد يؤثر على تحقيقاتها، خصوصاً أن هناك تخوفات من أن تلتزم الدول المحيطة بالولايات المتحدة بعدم التعاون تجنبًا للعقوبات، لكن في المقابل تواجه المحكمة دعماً أوروبياً وألمانيًا، حيث أعرب الاتحاد الأوروبي ووزير الخارجية الألماني عن دعمهم القوي للمحكمة باعتبارها ركيزة أساسية في تعزيز العدالة الدولية.
الجدير بالذكر أن مجلس الشيوخ الأميركي قد أيد المحكمة في 2022 في بيان له، وعلى الرغم من العقوبات الحالية والتوترات السياسية، ترى الدوائر الدولية أن المحكمة لازالت محورية في رصد الجرائم الدولية وتحقيق العدالة، خاصة في ظل الصراعات العالمية المستمرة التي تتطلب وجود مؤسسات قضائية دولية مستقلة.
وبذلك تبقى المحكمة الجنائية الدولية في قلب مواجهة قانونية وسياسية بين رؤى الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، التي تسعى لحماية سيادتها من جهة، ومبدأ العدالة ومسائلة القادة المسؤولين عن الجرائم الدولية من جهة أخرى، ما يضع مستقبل القانون الجنائي الدولي في مهب التحديات والتطورات المقبلة.
