الحرب في تيغراي وأبعادها الإقليمية: هل يشتعل الصراع الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي وخارجها؟
تشهد منطقة القرن الأفريقي تصاعدًا خطيرًا في التوترات بعد تجدد الحرب في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، والذي بدأ عام 2020 وانتهى باتفاق هدنة جزئي في 2022. هذه الحرب التي قتل فيها نحو 600 ألف شخص، تحمل تداعيات بعيدة تتجاوز حدود إثيوبيا إذ يرافق النزاع تعقيدات إقليمية وتداخل مصالح دولية يُخشى أن يدفع المنطقة نحو حرب أوسع. المحلل البريطاني مارتن بلاوت، المختص بشؤون القرن الأفريقي، يؤكد أن الصراع الحالي بين إثيوبيا وجبهة تحرير شعب تيغراي قد يشعل نزاعات بين إريتريا وإثيوبيا ويدخل السودان في دائرة الصراعات المسلحة، مضيفًا أن هناك دعمًا مباشرًا وغير مباشر لطرفي النزاع من قوى إقليمية مثل الإمارات ومصر والسعودية. بينما ترى جلالي غيتاتشو بيرّو، الخبيرة في شؤون شرق أفريقيا لدى ACLED، أن هذا النزاع ليس حالة معزولة بل جزء من شبكة الصراعات التي تشمل دولًا مجاورة مثل السودان والصومال، حيث تنقسم القوى الإقليمية بين أطراف مختلفة، مما يزيد احتمالات التصعيد والانتشار. ومن بين الأمور المقلقة أيضًا موقع منطقة عفار الاستراتيجي التي تُمثل الممر الوحيد لإثيوبيا غير الساحلية نحو جيبوتي، حيث يمر عبرها طريق التجارة الرئيسية، أي أن استمرار الاشتباكات قد يُهدد النقل والتجارة الدولية. كما أن التدهور في العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة، وخصوصًا حول محاولات إثيوبيا الوصول إلى البحر الأحمر، ترفع من منسوب المخاطر الأمنية. وتفرض حرب السودان التي اندلعت في أبريل 2023، والتي تقاتل فيها قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي مقابل القوات المسلحة السودانية، واقعًا معقدًا على الجوار الإثيوبي، حيث تشير التقارير إلى أن الإثيوبيين يدعمون قوات الدعم السريع في حين تتلقى القوى السودانية دعما من إريتريا ومصر والسعودية، مما يلمح إلى احتمالات تضخيم دائرة النزاع بشكل متداخل. يتحفظ بعض المحللين عن اعتبار أن اندلاع صراع إقليمي شامل أمر حتمي، مشيرين إلى انعدام تحالف عسكري موحد يمتد بين هؤلاء الأطراف، مع وجود مصالح متباينة لكل فصيل. وفي مقابل هذه التطورات، حذر الاتحاد الإفريقي من تصعيد التوترات وناشد بوقف التصعيد وفتح حوار سياسي، مع دعم جهود دبلوماسية يرعاها الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانغو. يبقى السؤال الحاسم حول إمكانية حصر الصراع داخل حدود إثيوبيا دون تحوله إلى نزاع إقليمي أوسع يمتد من القرن الإفريقي وحتى شبه الجزيرة العربية، حيث الخسائر الإنسانية والمخاطر السياسية والاقتصادية جسيمة في حال فشل الجهود الدبلوماسية الرامية لاحتواء الأزمة والتوصل إلى حلول مستدامة. في ظل هذه الظروف، يظل مستقبل استقرار القرن الأفريقي والبحر الأحمر معلقًا على قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على إحلال السلام ومنع نشوء معارك جديدة قد تؤدي إلى تعقيدات أمنية إنسانية لا تخدم سوى أعداء الاستقرار في المنطقة والعالم.
