109 أحزاب في السودان بين عافية سياسية ومرض تنظيمي
تشهد الساحة السياسية السودانية تعددية حزبية كبيرة تجاوزت تسجيل 109 حزبا رسمياً، إلا أن هذا العدد لا يعكس بالضرورة قوة أو فعالية، إذ يصف كثيرون هذه الأحزاب بأن معظمها تنظيمات افتراضية بدون قواعد شعبية حقيقية أو نشاط ملموس على الأرض، وهي حالة تشير إلى ضعف الهيكل التنظيمي والسياسي داخل البلاد. تنقسم هذه الأحزاب إلى ثلاث فئات نابعة من سياقات اجتماعية وسياسية مختلفة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو أنها تعمل ضمن إطار قانون الأحزاب الصادر عام 2007 الذي أنشأ مجلس شؤون الأحزاب السياسية ليُشرّف على تسجيلها وتحديث بياناتها. وفق تصريحات وزير العدل السابق ورئيس مجلس شؤون الأحزاب محمد أحمد سالم، فإن التسهيلات في تسجيل الأحزاب خلال حكم البشير كانت سياسة متعمدة لتفتيت الأطراف السياسية وعدم احتكارها من قبل حزب المؤتمر الوطني. ويرى مراقبون أن هذه الأحزاب تخشى اختبار الشارع والانتخابات، فتفضل البقاء في إطار التسويات السياسية، خصوصاً في ظل تصاعد الصراع المسلح الذي خنق الحياة السياسية وأضعف النشاط السياسي وخاصةً في المناطق الخاضعة لدوريات الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع. يؤكد مساعد رئيس حزب الأمة محمد الأنصاري أن التصعيد العسكري جعل المجال العام مقيداً وسيطرت عليه القوى المتنازعة، مما أدى إلى تراجع العمل السياسي وصوت المعارضة والتعبير الحر. المحلل السياسي فيصل عبد الكريم يشير إلى أن نشاط الأحزاب تراجع قبل الحرب نتيجة أوضاع الطوارئ وحظر التجمعات، وأصبح نشاطها محصوراً ضمن بعض فعاليات المجتمع المدني وتجاوز الزمن أساليب العمل السياسية التقليدية. كثير من الأحزاب يوصف محلياً بأحزاب “الشنطة” لعدم وجود مقرات أو قواعد انتخابية، وهي مجرد كيانات تمارس نشاطاً شكلياً فقط. وحاليا، تجرى محاولات لإصلاح قانون الأحزاب وتحديث السجل الحزبي للتمييز بين الأحزاب الفاعلة وتلك الغائبة، لكن هذا لا يخلو من تحديات في ظل وضع سياسي مضطرب. يرى بعض الباحثين في العلوم السياسية أن كثرة الأحزاب مؤشر على انعدام توافق وطني ومعايير تنظيمية واضحة، مما يولد انقسامات سياسية متكررة ويصعب توحيد الجهد الوطني لبناء دولة مستقرة. القانون الحالي يشترط شروطاً واضحة لتسجيل الأحزاب مثل عدد المؤسسين والبرنامج السياسي وعدم تلقي تمويل أجنبي وشروط الشفافية، ويمنح مجلس شؤون الأحزاب صلاحيات رفع توصيات بحل أو تجميد أي حزب ينتهك القانون، لكنه يفتقر إلى التطبيق الصارم والتحديث الضروري لجعل الأحزاب فاعلة في إدارة المشهد السياسي. في ظل غياب السلطة التشريعية وعدم استقرار الأوضاع السياسية، تبقى الحياة الحزبية في السودان بحاجة إلى إصلاح جذري يوقف التفكك والتشظي ويساعد على بناء توافق وطني يفضي لاستكمال التحول الديمقراطي وإعادة بناء الدولة المدنية.
