بورتسودان تعرقل تمديد بعثة تقصي الحقائق الدولية للانتهاكات في السودان
تتصاعد التوترات بين سلطة بورتسودان والأمم المتحدة على خلفية رفض السلطة تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المعنية بالانتهاكات في السودان. ففي خطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة لإجهاض المساءلة الدولية، شرعت سلطة بورتسودان في حملة دبلوماسية داخل أروقة الأمم المتحدة لقطع الطريق أمام تجديد ولاية هذه البعثة التي تحقق في انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم المرتكبة خلال النزاع المسلح المستمر بالسودان. وتستند هذه الحملة إلى خطاب السيادة الوطنية، الذي تستخدمه سلطة بورتسودان لتبرير رفضها السماح للبعثة بالدخول إلى البلاد والوصول إلى مواقع الانتهاكات والضحايا والشهود بحرية. وقد طلب مندوب بورتسودان في جنيف، حسن حامد حسن، من سفراء الدول الأعضاء في مجموعة الدول النامية المتشابهة بالآراء، وعلى رأسهم الصين، دعم موقف سلطة بورتسودان الرافض لتمديد ولاية البعثة خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان. غير أن هذا الطلب لم يلقَ تأييدا جماعيا، حيث اكتفت الدول المعنية بالاستماع إليه دون تبني موقف موحد يرفض التجديد. وتبرر سلطة بورتسودان موقفها بوجود آليات دولية أخرى تحقق في الانتهاكات، مثل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والخبراء المعينين بمجلس الأمن، متهمة الدول الغربية بمحاولة الإبقاء على ما وصفتها بـ”آلية رابعة”. غير أن خبراء حقوقيين يرون اختلافا جوهريا في تفويض بعثة تقصي الحقائق، التي تتمتع باستقلالية في جمع الأدلة وتحديد المسؤولين عنها، ما يجعل وجودها ضروريا ومكملا للآليات الأخرى. وقال مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف عبد الباقي جبريل أن هذه الحملة ترمي لإخفاء جرائم خطيرة تُنسب إلى الجيش وقوات الدعم السريع، تشمل القصف العشوائي والقتل خارج نطاق القانون والاعتقالات التعسفية والتعذيب والإخفاء القسري والتحريض العرقي، فضلا عن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية. في الوقت الذي تطالب فيه بورتسودان بمحاكمة قوات الدعم السريع، تقوم في الوقت نفسه بمنع البعثة الدولية من التحقيق في الانتهاكات التي يرتكبها الجيش والمليشيات المتحالفة معه، مما يثير تساؤلات حول دوافعها ووجود ما تخفيه. وتضيف المنظمات الحقوقية الدولية الكبرى مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية أن استمرار ولاية البعثة أمر ضروري لجمع الأدلة وبناء ملفات قضائية يمكن استخدامها في ملاحقة المسؤولين مستقبلا، لافتين إلى أن الأطراف المحلية لا تزال عاجزة عن إجراء تحقيقات مستقلة وحيادية. وبالفعل، اضطر فريق البعثة إلى إجراء جزء من تحقيقاته من خارج السودان، بالاعتماد على شهادات ناجين وشهود، وتحليل بالأدلة الرقمية التضامنية مثل الصور والفيديو والأقمار الصناعية. وأثارت تقارير البعثة الدولية قلقا متزايدا بشأن الانتهاكات، خاصة في شمال دارفور ومدينة الأبيض، التي شهدت أعمال قتل جماعي واختطاف وتجويع متعمد، حيث تبنى مجلس حقوق الإنسان قرارا يحث على تحقيق عاجل في تلك الانتهاكات. في المقابل، لم تنل بورتسودان دعما واضحا على المستوى الدولي، فقد استُمع إلى طلبها من قبل مجموعة الدول النامية، لكنها لم تحظ بتأييد رسمي أو موقف جماعي يرفض تمديد ولاية البعثة. وبينما تتواصل الانتهاكات وتتسع رقعتها، تتمسك البعثة بضرورة بقاء دورها في السودان وتوسيع صلاحياتها، لتعزيز المساءلة والعدالة في بلد يشهد توترات مستمرة وعجزا في مؤسساته القضائية. هذا الصراع بين بورتسودان والأمم المتحدة يعكس تحديات حماية حقوق الإنسان في سياقات الصراعات المسلحة ويطرح أسئلة حول سيادة القانون والشفافية الدولية في معالجة الانتهاكات الخطيرة.
