من التصعيد إلى التهدئة: التحول في سياسة إسرائيل تجاه الوجود التركي في سوريا
شهدت العلاقات الإسرائيلية التركية تغيرًا ملحوظًا في لهجة خطاب تل أبيب تجاه أنقرة، إذ تحولت من التصعيد الحاد إلى خطوات للتهدئة، عقب استهداف إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري شمال غربي سوريا في 18 أغسطس 2023. جاءت الغارة الإسرائيلية في إطار سعي تل أبيب لمنع توسيع الوجود العسكري التركي في الموقع، الذي رُصد كتهديد مباشر للمصالح الإسرائيلية في المنطقة. بالرغم من تأكيد تقارير إسرائيلية أن الضربة استهدفت البنية التحتية للمطار قبل وصول القوات التركية، نفت أنقرة وجود أي قوات أو بعثة عسكرية في المطار، مؤكدة أن تعاونها مع دمشق يهدف لتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا.
في اليوم التالي للغارة، صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لهجته محذرًا من أن إسرائيل لن تتسامح مع الوجود العسكري التركي في سوريا، وهو موقف قوبل باهتمام واسع في الأوساط السياسية والأمنية، خاصة مع اقتراب انتخابات الكنيست. من جهته، أعرب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن حدة الخطاب تجاه تركيا، فيما نقلت تقارير عن تحذيرات من زيادة هذا التصعيد لما قد يترتب عليه من عواقب غير مرغوبة.
على صعيد دولي، اعتبرت الولايات المتحدة أن الضربة الإسرائيلية قد تكون ناتجة عن “سوء تفاهم أو تنسيق” بين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وحثت على ضرورة عدم التصعيد، مع إبراز المبعوث الأمريكي توم براك أهمية تهدئة التوتر بين الطرفين. وأثارت مواقف أمريكية أخرى، مثل انتقاد السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان، تساؤلات حول محاولة واشنطن التأثير على مجرى التصعيد.
في ضوء هذه المعطيات، بدا أن إسرائيل بدأت إعادة تقييم موقفها، حيث أكد وزير الخارجية جدعون ساعر أن إسرائيل ليست لديها مصلحة في التصعيد مع تركيا، مشددًا على رغبتها في الحفاظ على الاستقرار والوضع الأمني الراهن في سوريا. وعبّر مسؤولون عسكريون إسرائيليون عن قلقهم من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع تركيا، خاصة في ظل عدة ساحات متوترة في المنطقة.
تُعزى هذه التغيرات في الموقف الإسرائيلي إلى أسباب متعددة تشمل الخشية من فتح جبهة جديدة مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، الضغوط الأمريكية لتهدئة التوتر، والحاجة إلى موازنة الردع مع الحفاظ على استقرار المناطق الحيوية بالنسبة لإسرائيل. في المجمل، يعكس هذا التحول خطوة تكتيكية تتيح لإسرائيل متابعة مراقبة وتعطيل أي توسع عسكري تركي تعتبره تهديدًا، دون التصعيد إلى صدام مباشر مع أنقرة، مما يحافظ على رزمة مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.
