الفصائل العراقية أمام تحدي حصر السلاح بين مطالب الدولة ونفوذ الفصائل
تدخل الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء علي الزيدي مرحلة حاسمة في محاولة حصر السلاح بيد الدولة، حيث يبرز الملف كاختبار حقيقي لقدرة الحكومة على فرض سيادتها وتحجيم النفوذ المتداخل للفصائل المسلحة التي تملك ترسانة واسعة من الأسلحة، بعضها رسمي ومحمل من الدولة، والآخر متصل بدعم إقليمي، إضافة إلى ذخائر ومعدات يتم تخزينها سرّاً. تتزامن هذه الجهود مع زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، وهو الحدث الذي أثار قلقاً وتكهنات بشأن موقف إيران ورفضها المحتمل لتفكيك الترسانة، لكنه جدل نفاه بعض السياسيين الذين يرون أن هناك اتفاقاً ضمنياً لاستعادة الأسلحة الممولة أو المقدمة من الدولة، مع استمرار الفصائل في الاحتفاظ بأنواع أخرى من المعدات ذات الطابع الإيراني أو المصنوعة بصورة مخفية. وضح السياسي العراقي غانم العابد هذا الموقف، مبيناً أن السلاح يستثني الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة التي لها علاقة وإشراف مباشر من إيران وحزب الله، وأكد وجود ضغط أميركي ودولي على بغداد لإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت. في الوقت نفسه، ربط العابد نجاح الحكومة في الملف الأمني بالنجاح الاقتصادي، مشيراً إلى أهمية توفير بيئة مستقرة لجذب الشركات العالمية التي تشترط خلو العراق من الانفلات الأمني، محذراً من أن الفشل قد يؤدي إلى عقوبات وضغوط اقتصادية على العراق. من جهته، نفى الباحث السياسي سعيد شاوردي وجود موقف إيراني رسمي يدعو لإبقاء الترسانة المستقلة وأكد أن إيران تعاملت مع الموضوع باعتباره شأناً داخلياً عراقياً، ربط انتشار السلاح بمرحلة سيطرة داعش، منتقداً السياسات الأميركية التي عملت على إضعاف الجيوش النظامية في المنطقة، مؤكدًا أن بناء قوة رسمية قوية هو الحل الحقيقي لمشكلة السلاح. أما وزير الإعلام الكويتي الأسبق سامي النصف، فقد حذر من أن المشكلة لا تقتصر على السلاح فقط، بل تشمل النفوذ السياسي والولاءات الخارجية التي تحمي هذه الترسانات، مضيفاً أن نزع السلاح يجب أن يقترن بتشريعات تمنع الولاء لدول أخرى وتجرم تهديد الدولة. ويشير المراقبون إلى وجود خيارين أمام الحكومة: الأول تسوية تفاوضية لاستعادة جزء من الأسلحة مع بقاء الفصائل ضمن المشهد السياسي، والثاني محاولة فرض سيطرة شاملة على كل الترسانات، ما قد ينعكس على توازنات البرلمان والأمن الوطني. بذلك، لا يُقاس النجاح فقط بكميات السلاح الذي يدخل المخزن، بل بمدى قدرة الحكومة على ضمان ألا تبقى هناك قوة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات منفردة في الحرب والسلام بعيداً عن مؤسسات الدولة. يتضح أنه رغم الجهود المبذولة، يبقى الملف معقداً ويتطلب توزاناً دقيقاً بين الاستحقاقات الأمنية والسياسية والضغوط الإقليمية والدولية، في ظل واقع متشابك من النفوذ الداخلي والخارجي للفصائل المسلحة في العراق.
