شفرة “إيرورزفيدكا”: كيف تفوقت منظومة أوكرانية تطوعية على الجيش الأمريكي
في ربيع عام 2014، عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا، بدأ مجموعة من المهندسين والمبرمجين الأوكرانيين في تطوير مشروع طموح استخدموا فيه طائرات مسيرة استهلاكية لتحويلها إلى أدوات لمراقبة وتحليل ساحة المعركة. هذه المجموعة، التي عرفت باسم إيرورزفيدكا، عملت في البداية بشكل تطوعي ومن دون تمويل رسمي، حيث استطاعوا تحويل معدات بسيطة إلى منظومة دفاعية متقدمة تزامنت مع تصاعد الحرب في منطقة دونباس.
عام 2015 شهد مقتل أحد مؤسسي المجموعة، لكن هذا الحدث لم يؤد إلى تفككها، بل دفعها إلى ترتيب مؤسسي جديد بانضمام أعضائها رسمياً إلى القوات المسلحة الأوكرانية مع الاحتفاظ بأسلوب العمل التطوعي والحرية في التجربة. في هذا الإطار تم إطلاق منظومة دلتا، شبكة رقمية متقدمة لإدارة ساحة المعركة تجمع بين الطائرات المسيرة والمستشعرات ووحدات الاستطلاع، وتهدف إلى توفير خريطة تشغيلية شاملة في الوقت الفعلي لمساعدة القادة في اتخاذ القرارات التكتيكية.
نجحت منظومة دلتا في اجتياز معايير الناتو في 2019، وأثبتت نفسها خلال معارك دونباس المنخفضة الحدة وتشابكت أكثر مع الصراع الكبير في العام 2022 مع روسيا. وأشارت تصريحات وزير الجيش الأمريكي في مايو 2024 إلى أن هذه المنظومة تفوق قدرات التقنيات المتاحة لدى الجيش الأمريكي، مما يعكس التفوق التقني الهام الذي أبنته أوكرانيا رغم ميزانياتها المحدودة.
يدعم منظومة دلتا قطاع تكنولوجيا المعلومات الأوكراني الذي يشكل أحد أكبر قطاعات الاقتصاد قبل الحرب، ويضم مئات الآلاف من المتخصصين والشركات، حيث استفادت الحركة التطوعية من نشأة شبكات اجتماعية وريادية نشطت خلال الاحتجاجات والأحداث السياسية في 2013 و2014. هذا الاندماج بين نسيج تقني حديث وروح تطوعية وتكامل مهني وعسكري أنتج منظومة دفاع رقمية تفوقت على التوقعات وقلبت موازين القوة في ساحة المعركة الحديثة.
القصة التي بدأت مع طائرة بدون طيار بسيطة من أسواق التصوير السياحي، أصبحت اليوم مثار إعجاب واعتراف عسكري دولي، فهي دليل عملي على قدرة الإبداع المدني والتقني على تحدي القوى العسكرية التقليدية، وتعيد تعريف مفهوم القوة في الحروب الرقمية الحديثة.

اترك تعليقًا