الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي: تجربة الموت في غزة مع الدرونز الإسرائيلية (الزنانة)
الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي يقال ان الحرب ترى كل شيء، وتكشف كل شيء، وفي تاريخ الحروب الحديثة، لم تشهد الإنسانية نزاعاً مسلحاً يخضع فيه الطرف الأضعف لمراقبة تقنية بهذا القدر من الشمول والتفصيل كما حدث في قطاع غزة بين أكتوبر 2023 وأكتوبر 2025. خلال عامين كاملين من حرب الإبادة الاسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة، بسبب هذه الحرب تحولت سماء قطاع غزة إلى ما يشبه “عيناً لا تغفو”؛ شبكة كثيفة من الطائرات المسيّرة بدون طيار (الدرونز) بأنواعها المختلفة – من طائرات “كوادكوبتر” الصغيرة التي تحوم على ارتفاع منخفض لتقتنص الأصوات والصور للمدنيين الفلسطينيين، إلى طائرات “هيرون” و”هيرميس” المتوسطة والعالية التي تجوب السماء لساعات طويلة،وتوسخها قذارة هي ما يسميها أهالي غزة بالطائرة المسيرة (الزنانة) التي تصدر صوتا مزعجا لا يجعلك تنام من شدة الإزعاج كما انها تنشر الخوف والرعب لدى الأطفال خوفا من اغتيالهم بصواريخها الدقيقة، وصولاً إلى أقمار التجسس التي تغذي المنظومة ببيانات حية على مدار الساعة عن كل شيء في قطاع غزة. هذه المنظومة الاسرائيلية لم تكن مجرد أداة عسكرية لجمع المعلومات الاستخباراتية عن غزة، بل تحولت إلى بنية شاملة للسيطرة والإخضاع، أعادت تشكيل العلاقة بين الفلسطيني والفضاء المفتوح من حوله، وبين الفرد وجسده، وبين الإنسان وصوته. وكما كتب الصحفي الفلسطيني محمد محاويش، الذي عاش 16 شهراً تحت هذه المراقبة قبل أن يتمكن من الخروج: “الحياة في غزة… تعني فقدان ما لا يُرى: المساحة الخاصة للعقل، الحميمية بين الناس، والقدرة على الكلام دون خوف من المراقبة بواسطة آلة” . تسعى هذه المقالة إلى تحليل تجربة السكان الفلسطينيين في غزة تحت هذه المراقبة المستمرة من خلال ثلاثة محاور وهي: المحور الأول: تشريح بنية المراقبة – إحصاءات الضربات وتقنيات القتل المشهد التقني؛ سماء مزدحمة بالعيون الطائرة (الزنانة)؛ حيث تحولت سماء غزة خلال عامين من حرب الابادة في غزة بداية اكتوبر/2023-الى اكتوبر/2025; إلى فضاء مراقبة متعدد الطبقات منها: 1-الطبقة المنخفضة (تحت 200 متر): هي طائرات “كوادكوبتر” صغيرة مزودة بكاميرات عالية الدقة وميكروفونات حساسة. هذه الطائرات التي يصفها السكان الفلسطينيين في غزة ؛بأنها “تطن كالناموس” ؛قادرة على التحليق لساعات قرب النوافذ والأبواب والمنازل، تلتقط الأصوات والصور بدقة وتكشف ملامح الوجوه وتفاصيل الملابس؛ وقد استُخدمت هذه الطائرات ليس فقط للمراقبة، بل للقتل المباشر؛( الإعدام الميداني) عبر إطلاق النار على المدنيين الأبرياء في غزة، و إسقاط قنابل صغيرة على تجمعات الناس، واستهداف الأفراد بشكل انتقائي حسب قرار الاغتيال . 2-الطبقة المتوسطة (200-3000 متر): هي طائرات مسيّرة متوسطة الارتفاع مثل “هيرون” و”سكاي رايدر”، تحلق لساعات طويلة وتوفر بثاً حياً لتحركات السكان الفلسطينيين. هذه الطائرات هي التي ترصد النازحين الفلسطينيين المهجرين قسرا من منازلهم على الطرق التّي يسلكونها في غزة، وتتابع حركة السيارات والعربات، وتغذي غرف العمليات الاسرائيلية ببيانات آنية عن “الأهداف” المحتملة للقتل والتصفية الجسدية. 3-الطبقة العالية (فوق 3000 متر): هي طائرات استراتيجية وأقمار تجسس تقدم تغطية شاملة لقطاع غزة بأكمله. وقد كشفت تقارير استقصائية أن بريطانيا وحدها أرسلت طائرات تجسس ومراقبة، قامت بأكثر من 500 طلعة استطلاع فوق غزة منذ بدء حرب الإبادة في اكتوبر/2023، مما يضيف طبقة إضافية من المراقبة الدولية التي تغذي الآلة العسكرية الإسرائيلية بالمعلومات وتدعم اسرائيل في جرائمها ضد الأنسانية في غزة. 4-إحصاءات الضربات بلغة الأرقام القاسية: بعد عامين من الحرب (أكتوبر 2023 – أكتوبر 2025)، يمكن رصد الاتجاهات الإحصائية التالية: القتلى والجرحى: تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن عدد القتلى في قطاع غزة خلال حرب الإبادة تجاوز عدد 72 الف من الشهداء بحلول يوليو 2025، بينهم 12 من العاملين في منظمة أطباء بلا حدود وحدها، والغالبية الساحقة من هؤلاء هم من المدنيين، ونسبة كبيرة منهم من النساء،وأكثر من 20 الف قتيل هم من الأطفال الفلسطينيين في غزة. 5- الصحفيون المستهدفون في غزة: قتل جيش الاحتلال الاسرائيلي في غزة أكثر من 250 صحفي فلسطيني على مدار عامين من حرب الإبادة، حيث وثق تقرير استقصائي مؤخراً تعمد الاحتلال قتل الصحفيين عبر استهداف ما لا يقل عن خمسة صحفيين فلسطينيين كانوا يستخدمون طائرات مسيّرة لتوثيق الدمار في غزة وهم في الأصل يعملون لصالح برنامج مصري لإعادة الإعمار في غزة. هؤلاء الصحفيون قُتل منهم ثلاثة، و أصيب منهم اثنين بجروح خطيرة في ضربات إسرائيلية متعمدة، مما يشير إلى أن استخدام “الكاميرا الطائرة” في قطاع غزة، أصبح حكماً بالإعدام في منطق الجيش الإسرائيلي . ومثال على سياسة القتل الاسرائيلية، الصحفي عبد الله الحاج، الذي التقط صوراً بطائرة مسيّرة لمخيم الشاطئ أظهرت حجم الدمار الهائل ونشرتها الأونروا للعالم، تعرض للاستهداف بعد تسعة أيام فقط من نشر الصور. في فبراير 2024، أصيب في غارة جوية فقد فيها ساقيه، وقتل ابن أخيه البالغ 18 عاماً وصياد كان بالقرب منه. يقول الصحفي/عبدالله الحاج، “بعد يومين من استهدافي، تم قصف منزلي. لماذا؛ لتدمير الأرشيف [من الصور] الذي جمعته على مدى 20 عاماً من كامل قطاع غزة” . 6-نمط الاستهداف: تشير الشهادات إلى أن الضربات لم تكن عشوائية تماماً ضد المدنيين في غزة، بل اتبعت نمطاً منهجياً: استهداف التجمعات الاجتماعية (الأسواق، الأفران، مراكز التوزيع)، قصف المباني السكنية بعد إنذارات قصيرة لا تتجاوز 20 دقيقة أحياناً، وملاحقة النازحين على الطرق وقتلهم بدم بارد. المحور الثاني: شهادات الناجين – الحياة تحت “العين” التي لا ترمش مشهد من حاجز نتساريم في غزة: عندما تعرف الآلة اسمك، خطر الذكاء الاصطناعي. يروي الصحفي محمد محاويش لحظة وقوفه أمام كاميرا المراقبة الإسرائيلية على حاجز نتساريم في أبريل 2024. كان قد تدرب مع زوجته على رواية “نسخة مجردة” من نفسيهما، لن يذكرا أنهما صحفيان، سيتحدثان فقط عن كونهما عائلة نازحة، زوجة حامل، طفل يعاني من سوء التغذية، لكن كل هذا التدريب ذهب سدى: “تقدمت أنا وأسماء ورفيق نحو الكاميرا: كرة داكنة خلف زجاج على حامل ثلاثي، ضوء أحمر يومض تحت عدستها. مرت أسماء ورفيق أولاً. حدقنا في العدسة وحبسنا أنفاسنا، ننتظر إشارة الإبهام… امتدت الثواني. ثم قال الجندي: ‘محمد’،لم أتفاعل في البداية، اسمي شائع. ثم نطق باسم عائلتي، شعرت بأنفاسي تتوقف… الخوف لم يكن مما قد يكتشفونه عني، بل مما يعرفونه بالفعل. النسخة المتدربة من نفسي ماتت، لم يعد أي منها يهم، لقد تم تأكيدي للتو من جهاز الذكاء الاصطناعي الإسرائيلي…” هذه اللحظة تلخص جوهر تجربة المراقبة في غزة؛ أنت مرئي، معروف، مصنف، قبل أن تنطق بأي كلمة. الآلة بالذكاء الاصطناعي تعرف اسمك، تعرف أين كنت، تعرف مع من تتحدث؛ والكاميرا ليست مجرد أداة محايدة، بل هي بوابة لنظام تصنيف يحدد من يمر من هذا الحاجز التابع لجيش الاحتلال الاسرائيلي،ومن يُقتل في غزة. مشهد من سوق النصيرات وسط غزة: الموت من فوق بالطائرات ومن الارض برصاص جيش الاحتلال ووحداته العسكرية الخاصة المستعربين التي اقتحمت مخيم النصيرات. في 8 يونيو 2024، شنت القوات الإسرائيلية عملية في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة لتحرير رهائن اسرائيليين محتجزين هناك. ما وصفته إسرائيل بأنه “عملية إنقاذ” تحول إلى مجزرة راح ضحيتها أكثر من 270 فلسطينياً، غالبيتهم الساحقة من المدنيين تم إطلاق الرصاص عليهم بشكل عشوائي وكل من يتحرك او تواجد في المكان المستهدف، تم قتله بدم بارد تحت حجة إنقاذ رهائن اسرائيليين في النصيرات؛ مع العلم أن المكان هو مخيم النصيرات المزدحم بالمدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. يروي رائد عبد الفتاح (38 عاماً)، الذي نجا بأعجوبة: “كنت مع زوجتي وأطفالنا الثلاثة في السوق عندما بدأت الغارات الجوية. ركضنا بلا هدف في الشارع، نحاول فقط النجاة بحياتنا… حاولنا الاختباء في سيارة متوقفة على جانب الطريق. مررنا بها قبل ثوانٍ فقط من أن تصيبها صاروخ وتشتعل. لو تأخرنا لحظة، لكنا دُفنا تحت الأنقاض… ركضنا إلى سوق النصيرات والرصاص ينهمر حولنا، الجثث والجرحى يملؤون الشوارع. أمامنا، كان شاب يبيع الحلوى – فجأة، أطلقت طائرة كوادكوبتر النار على رأسه، تناثر دماغه أمام عيني، لم أستطع تمالك نفسي،كانت لحظة انهيار إنساني لم أتعاف منها حتى اليوم” . يضيف رائد، الذي علم لاحقاً أن طائرات استطلاع بريطانية وأمريكية كانت تحلق فوق المنطقة قبل العملية بأيام؛ “هذه المذبحة لم تكن عشوائية، كل شيء كان محسوباً بدقة، كما لو كانوا يتتبعون كل حركة في مخيم النصيرات، حيث اعلن جيش الاحتلال فيما بعد انه انقذ رهينتين كانوا داخل شقة سكنية في مخيم النصيرات مكان المجزرة، مقابل قتل عدد 270 من المدنيين الفلسطينيين المتواجدين في المكان دون علمهم بشيء، وعدم انخراطهم في اي عمل عسكري، ولم يكن احدا منهم مسلح، تم قتلهم بدم بارد من طرف جيش الاحتلال الاسرائيلي وبمساعدة من الطائرات البريطانية التي شاركت في هذه العملية العسكرية الاجرامية” . مشهد من مدينة غزة: ثلاثون يوماً تحت الحصار توثق منظمة أطباء بلا حدود شهادة/محمد الطيبي، أحد العاملين في المنظمة، الذي عاش تحت القصف والمراقبة في حي النصر بمدينة غزة: “الوضع خلال الأسبوعين الماضيين – وحتى هذه اللحظة – كان صعباً للغاية بسبب القصف العشوائي، نيران المدفعية، طائرات الكوادكوبتر، والخطر المستمر في المنطقة التي أعيش فيها. مع ذلك، قررت البقاء في منزلي حتى اللحظة الأخيرة… هذا الصباح، فوجئت برؤية منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يدعو جميع سكان غزة إلى التحرك جنوباً لأن مدينة غزة أصبحت منطقة قتال خطيرة، شعرت بالصدمة. كنت بالفعل في العمل في الجنوب عندما رأيت ذلك… أشعر الآن بالضياع التام، ممزق بين ما إذا كان ينبغي أن أعود لأخذ أمتعتي وعائلتي وأخاطر بحياتي، أو البقاء حيث أنا، رغم أنه لا يوجد مكان في الجنوب ننزح إليه” . ويختتم بشهادة تقشعر لها الأبدان؛ “منذ اليوم الأول لحرب الإبادة، شنت إسرائيل حملة إبادة جماعية ضدنا. هذا ليس شيئاً جديداً… لقد نزحنا مرة واحدة إلى الجنوب، إلى مناطق أُعلن أنها ‘مناطق إنسانية آمنة’ من قبل القوات الإسرائيلية، ذهبنا إلى رفح، وثم إلى النصيرات، وثم إلى أماكن أخرى، زعموا أن تلك المناطق آمنة، لكنها لم تكن كذلك” . مشهد من غرفة الولادة: عندما يصبح الألم امتيازاً في شهادة مروعة أخرى، تروي/لينا الـ بطنيجي، مستشارة في منظمة أطباء بلا حدود، مأساة النساء الحوامل تحت القصف والمراقبة: “لدينا مريضات في مناطق حمراء، مناطق مصنفة على أنها شديدة الخطورة، بعضهن لديهن عمليات قيصرية مجدولة اليوم، غداً، بنهاية الأسبوع، وأخريات في وقت لاحق من هذا الشهر. إذا نزحت أي من هؤلاء النساء ودخلن في المخاض، فهن بحاجة إلى جراحة دون قدرتهم على الوصول إلى مستشفى بسبب الحرب والقصف والقتل، قد يكلفهن ذلك حياة طفلهن، أو حياتهن… أين الإنسانية عندما تدخل امرأة في (منطقة حمراء يمنع جيد الاحتلال دخولها) في المخاض وسط الغارات الجوية والإخلاء؛ كيف يفترض أن تصل إلى المستشفى؛ المشكلة ليست فقط الخطر ، إنها مشكلة النقل،لا توجد وسيلة لهن للتحرك من المناطق الحمراء إلى حيث يمكنها الولادة بأمان” . وتضيف، في شهادة تختصر مأساة شعب بأكمله؛ “أمنيتنا الوحيدة هي أن نكون آمنين. ولا حتى في منازل حقيقية – نحن الآن في ملاجئ حيوانات، أعشاش طيور، أي شيء يمكننا العثور عليه، لقد تخلينا بالفعل عن فكرة استعادة منازلنا، فقط دعونا نبقى حيث نحن. لكن جيش الاحتلال يقول؛ ‘اذهبوا إلى المناطق الإنسانية’. فأسأل – أين هذه المناطق” ،وحقا لا يوجد في قطاع غزة اي مكان امن. المحور الثالث: تقنيات البقاء اليومية – كيف يعيش الناس تحت “عين الدرونز”. في مواجهة هذا الواقع المرعب، لم يبق الفلسطينيون في غزة سلبيين؛ لقد طوروا، عبر شهور من المعاناة، مجموعة من “تقنيات البقاء” التي تعكس قدرة الإنسان على التكيف حتى في أحلك الظروف عبر التالي: قراءة “لغة” الطائرات المسيّرة تعلم سكان غزة التمييز بين أنواع الطائرات المسيّرة من خلال صوتها وارتفاعها وسلوكها. “طنين الكوادكوبتر المنخفض يعني خطراً فورياً؛ قد تطلق النار عليك في أي لحظة، أما صوت الطائرة المتوسطة الارتفاع يعني أنهم يراقبون تحركاتك؛ والصمت المفاجئ يعني أن شيئاً ما على وشك الحدوث”، هكذا يصف أحد الناجين معرفته المتراكمة مع الطائرات دون طيار في غزة . “المشي بلا شكل” – استراتيجيات الحركة تحت المراقبة يصف الصحفي أحمد، الذي رفض النزوح من مدينة غزة رغم كل شيء، استراتيجياته اليومية للبقاء؛ “تعلمت كيف أتحرك بسرعة، أمشي قرب الجدران أو تحت الأشجار لتجنب اكتشاف الطائرات المسيّرة لي. أحاول ألا أحمل أي شيء يبدو مهدداً لهم لعدم خلق الشك لديهم، وأتجنب المرور من نفس الطريق مرتين، وغالباً ما أمشي بشكل متعرج (Z) لتجنب القناصة، وأظل مستعداً للانبطاح أرضاً في أي لحظة” . هذه الاستراتيجيات ليست مجرد سلوكيات عشوائية، بل هي معرفة ميدانية متراكمة انتقلت شفوياً بين السكان في غزة أثناء الحرب؛ كيف تقلل من “بصمتك الحرارية”؛ متى تتحرك ومتى تتجمد في مكانك؛ كيف تبدو “غير مهدد لهم” في عيون الكاميرا للطائرات المسيّرة التي تحلل كل حركة للمواطنين في غزة. النوم بـ”حذاء بجانب السرير”؛ الاستعداد الدائم للهرب من جحيم طائرات الدرونز. ينقل الصحفي أحمد نصيحة والده الذي نزح إلى مصر؛ “كان أبي يطلب مني أن أنام مرتدياً ملابس فضفاضة يسهل التحرك بها، وأن أبقي حذائي بجانب السرير أو في قدمي. كان يقول لي، إذا سمعت صوتاً معيناً، فاركض دون تفكير”، انها قنابل الموت. هذه النصيحة البسيطة تلخص تحولاً جذرياً في مفهوم “غرفة نومك”، المنزل لم يعد مكاناً للراحة والأمان، بل أصبح فضاءً للترقب المستمر،النوم نفسه تحول إلى فعل محفوف بالمخاطر ؛ “نذهب للنوم ونحن ننتظر ذلك الصوت القاتل للطائرات المسيّرة” كما تصف نجوى عادل، إحدى الناجيات انه الموت رعبا وخوفا مع أطفالك من صوت الزنانة الدرونز، لقد شاهدنا الناس في غزة يموتون بنفس الطريقة. البقاء رغم استحالة البقاء، عندما يصبح الثبات مقاوماً في مفارقة لافتة، تحول رفض النزوح إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية. كثير من العائلات، رغم أوامر الإخلاء المتكررة والتهديدات المباشرة، اختارت البقاء في منازلها أو بين أنقاضها، السيد/محمود الخضري، أحد سكان حي الشجاعية، يشرح قراره؛ “القصف المدفعي والطائرات المقاتلة والمسيّرات تحوم يومياً. أُجبر كثير من سكان الشمال على النزوح جنوباً بحثاً عن الأمان بناءً على أوامر الجيش الإسرائيلي؛ زعموا أن جنوب غزة آمن، لكننا نسمع يومياً عن قصف وموت في الجنوب وفي مخيمات المهجرين قسرا في المواصي ، لذلك قررت أنا وعائلتي البقاء، رغم أن الجيش الإسرائيلي كان على بعد مبنيين فقط منا، أقل من 700 متر” . هذا التمسك بالمكان ليس مجرد عناد أو عجز عن الحركة، بل هو فعل وجودي؛ هو رفض للتطبيع مع فكرة أن يصبح المرء لاجئاً دائماً، علينا التمسك بالذاكرة والهوية المتجسدة في المكان والمنزل؛ وكما يقول أحمد، “بالنسبة للفلسطينيين، الارتباط بالمنزل ليس مجرد جدران وحجارة، بل هو ارتباط بجوهر الوجود، فيه كبرنا ولنا ذكريات داخله في كل شيء” . التكيف مع اقتصاد الحرب الباهظ المراقبة والتهجير القسري خلقا اقتصاداً موازياً للبقاء، محمد الطحرواي، الذي يدعم عائلته ببيع الخبز في حي الصبرة، يشرح لماذا أصبح النزوح مستحيلاً اقتصادياً لكثيرين: “إذا أردنا الانتقال جنوباً نحو مدينة رفح او خانيونس او دير البلح، كل شخص يحتاج 5,000 شيقل (حوالي 1,500 دولار) فقط لاستئجار مكان للعيش، هذا ببساطة فوق طاقتنا” . هذه المعادلة الاقتصادية القاسية تعني أن “حرية” اختيار النزوح هي امتياز لا يملكه إلا القلة، ولكن الغالبية العظمى محاصرة بين قصف لا يتوقف وفقر لا يسمح حتى بالفرار. المحور الرابع: نحو فهم أعمق – أبعاد غير منظورة للمراقبة المراقبة بالدرونز أداة “للإبادة النفسية” تتجاوز آثار المراقبة المستمرة بالطائرات المسيرة في قطاع غزة النطاق المادي لتصل إلى ما يمكن تسميته بـ “الإبادة النفسية”؛ التدمير المنهجي لعدم القدرة على الشعور بالأمان للشعب الفلسطيني في غزة،مثل الخصوصية، والحميمية. عندما يصبح كل همس مراقباً، وكل حركة مسجلة، وكل لقاء عائلي هدفاً محتملاً، ينهار الأساس النفسي الذي تقوم عليه الحياة الإنسانية الطبيعية في قطاع غزة. “حملة القتل الجماعي… تعمل أيضاً من خلال نظام للمراقبة والمعرفة والجمع. الحياة في غزة… تعني فقدان ما لا يُرى؛ المساحة الخاصة للعقل، الحميمية بين الناس، والقدرة على الكلام دون خوف من المراقبة بواسطة آلة حيث تم اغتيال العديد من الأشخاص اعتماداً على نبرة الصوت للأشخاص المستهدفين” . المراقبة والمراقبة المضادة: عندما يتحول الرصد إلى توثيق للجريمة في مفارقة مأساوية، استخدم الفلسطينيون الكاميرات والطائرات المسيّرة ليس فقط كأدوات للتوثيق الصحفي، بل كوسيلة “لمراقبة المراقب”. لكن هذا الفعل، كما أظهرت حالة الصحفيين الذين استُهدفوا بعد توثيقهم للدمار، يحمل مخاطر مميتة. ففي منطق الجيش الإسرائيلي، الطائرة المسيّرة التي يستخدمها الفلسطينيون في غزة تعتبر هي”الجهة الخطأ” التي يمنع عليهم استخدامها، وتتحول تلقائياً إلى هدف عسكري، بغض النظر عمن يشغلها حتى لو كان صحفيا محايدا . البعد الدولي: العالم يراقب غزة، ولكنه لم ينقذها من حرب الإبادة. تكشف شهادات الناجين عن بعد إضافي مأساوي؛ المراقبة الدولية التي ترى جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية في غزة لكنها لا تتدخل. هناك نموذج لطائرات الاستطلاع البريطانية والأمريكية التي حلقت فوق غزة لم تكن فقط “عيوناً محايدة”، بل أصبحت، في نظر الضحايا الفلسطينيين، شركاء في جريمة الإبادة على مدار عامين من اكتوبر /2023إلى أكتوبر/2025؛ تقول السيدة الفلسطينية /أسماء الترك، التي نجت من مذبحة النصيرات مع ابنتها المصابة؛ “لم نكن فقط تحت مراقبة الاحتلال، بل تحت أعين العالم كله – وهم صامتون” . ختاما يمكن القول،ما بعد المراقبة بطائرات مسيرة (الزنانة) وغيرها،هناك أسئلة للمستقبل؛ بعد عامين من الحرب المستمرة (أكتوبر 2023 – أكتوبر 2025)، لم تعد غزة مجرد “منطقة نزاع” بالمعنى التقليدي، بل أصبحت مختبراً لشكل جديد من الحرب؛ حرب تُشن فيها المراقبة الشاملة (بالكتلة الدقيقة) ليس فقط كأداة لجمع المعلومات، بل كاستراتيجية شاملة للإخضاع والتدمير النفسي والوجودي للشعب الفلسطيني في غزة . من هذه الجرائم الاليكترونية المخصصة لترهيب الفلسطينيين شهادات الناجين في غزة،منهم السيد/محمد محاويش، وما حصل معه على حاجز نتساريم، إلى السيد/ رائد عبد الفتاح في سوق النصيرات، إلى السيدة/ لينا البطنيجي التي تناضل لإنقاذ النساء الحوامل – تكشف عن حقيقة مركزية المراقبة الإسرائيلية بالذكاء الاصطناعي عبر الدرونز لغزة ليست مجرد عملية عسكرية، بل هي مشروع لإعادة تعريف معنى أن تكون إنساناً. أن تكون مرئياً طوال الوقت للاحتلال الاسرائيلي، معروفاً لدى آلة القتل بالذكاء الاصطناعي التي لا تعرف الرحمة، طالما انك فلسطيني تعيش في قطاع غزة ومصنفاً في قاعدة بيانات جيش الاحتلال الاسرائيلي الذي يحدد من يعيش ومن يموت عبر هذه الدرونز، هذا هو الواقع الذي عاشه سكان قطاع غزة لمدة عامين كاملين من حرب الإبادة. ورغم كل هذا، فإن تقنيات البقاء التي طورها الفلسطينيون؛ من قراءة “لغة” الطائرات المسيّرة إلى استراتيجيات “المشي بلا شكل”، ورفض النزوح رغم التهديد إلى توثيق الجريمة رغم الخطر، تشهد على حقيقة موازية؛ أن الإنسان الفلسطيني ، حتى في أقصى لحظات الضعف والعزل، يظل قادراً على الفعل والمقاومة وصنع المعنى. لكن المأساة الحقيقية ليست فقط في ما حدث، بل في ما قد يأتي لاحقاً. فالتقنيات التي اختُبرت في غزة؛ مثل المراقبة الشاملة، والاستهداف الانتقائي، والإبادة النفسية عبر المراقبة؛ لن تبقى حبيسة هذا القطاع الصغير الذي يسمى غزة مهد العزة. بل تقدم غزة نموذجاً لـ “حرب المستقبل” التي قد تتكرر في أماكن أخرى، ما لم تقم قوى الضمير في العالم بوضع حدود أخلاقية وقانونية لاستخدام هذه التقنيات الاليكترونية من الطائرات المسيرة (الكتلة الدقيقة) ووقف استخدامها ضد الأبرياء من المدنيين خلال النزاعات المسلحة الداخلية أو الدولية وتحديدا التعلم من دروس حرب الابادة في غزة التي فرضت معادلة الموت، أن مجرد وجودك كونك فلسطينياً في غزة – أصبح جريمة تستوجب المراقبة والأغتيال ، وفي لحظة ما قد تختارها الآلة الذكاء الاصطناعي،انك أيها الفلسطيني تستوجب الموت،الإعدام الميداني. استاذ العلاقات الدولية

اترك تعليقًا