هجرة الأطباء من مصر: أزمة متعددة الأبعاد تتجاوز تدني الأجور
تعكس أزمة هجرة الأطباء من مصر تحديًا معقدًا تتجاوز أبعاده مجرد تدني الأجور لتشمل مجموعة من المعوقات التي تواجه الكوادر الطبية منذ بداية مشوارهم المهني. ففي أحد أشهر المعالم الطبية في القاهرة، قاعة نقابة الأطباء بشارع قصر العيني، شهد الطبيب ماجد فياض قبل أكثر من 20 عامًا لحظة تأدية القسم المهني بتفاؤل بحياة مهنية ناجحة. لكن الواقع الطبيب في مصر اليوم يظهر مختلفًا تمامًا، حيث ساعات العمل الشاقة، ضعف الحماية الأمنية، الاعتداءات المتكررة على الأطباء، والتدريب المحدود، كلها عوامل دفعت فياض والعديد من زملائه إلى البحث عن مستقبل مهني في الخارج.
تقديرات نقابة الأطباء تشير إلى أن أكثر من نصف الأطباء المقيدين، الذين يبلغ عددهم نحو 350 ألف طبيب، إما هاجروا أو انسحبوا من المهنة تمامًا. والسبب لا يكمن في قلة الخريجين، بل في عجز النظام الصحي المصري عن توفير بيئة مناسبة واحتفاظ بالكفاءات. تبدأ المشكلة من بداية المسار المهني، حيث يتقاضى طبيب الامتياز في المستشفيات الحكومية مكافأة شهرية بقيمة 2800 جنيه (حوالي 55 دولارًا) والتي لم تشهد زيادات ملائمة مع ارتفاع تكاليف المعيشة، رغم وجود قانون يسمح بربط المكافأة بنسبة من راتب الطبيب المقيم.
عضو مجلس نقابة الأطباء، الدكتور إبراهيم الزيات، أوضح أن الأزمة تتكامل بين فروق أجور كبيرة داخل المنظومة الصحية، ضعف التأمين والحماية من الاعتداءات، تراجع مؤسسي في التدريب الطبي المستمر، ملاحقات قضائية غير عادلة تجبر الأطباء على تفادي الحالات الخطرة، إضافة إلى تعنت إداري متمثل في نقص الأدوية والأجهزة وقيود على الإجازات.
أما الدكتورة شيماء طلال، استشارية طب الأطفال، فتشرح أن الهجرة ليست دائمًا خيارًا ماليًا فقط، بل بحثًا عن بيئة عمل منظمة، وساعات عمل بشرية، وتقدير مهني، وفرص بحثية. لكنها تحذر من نظرة مثالية مغلوطة عن الخارج، حيث يواجه الأطباء تحديات جديدة كشهادة معادلة، تعلم لغة جديدة، وإثبات الذات مجددا.
وقد أكد فياض أن الهجرة بالنسبة له جاءت نتيجة لتدهور الأجور وظروف العمل وغياب الحماية القانونية. ورغم ذلك، يظل الأطباء المصريون في الخارج يعبرون عن رغبتهم في العودة إذا ما تحسن الوضع في مصر.
يبقى التحدي الأكبر أمام مصر هو تطوير منظومة صحية قادرة على تقديم بيئة عمل محترمة وجذابة للكوادر الطبية، تأمين حقوقهم وحمايتهم، وتوفير الدعم اللازم لهم للاستمرار في ممارسة مهنتهم داخل الوطن، لتفادي المزيد من النزيف في الكوادر الطبية والحرص على خدمة صحية أفضل للمواطنين.
