الاتحاد الأفريقي في الخرطوم: بين تعزيز السلام وشرعنة سلطة الجيش
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية معقدة، استأنف الاتحاد الأفريقي نشاطه الميداني في العاصمة السودانية الخرطوم من خلال استعادة عمل مكتبه، مع سعي واضح لتعزيز الاتصالات بالأطراف السودانية والضغط نحو وقف إطلاق النار. ولكن دراسة حديثة أعدها معهد الدراسات الأمنية في أفريقيا تحذر من استغلال هذه الخطوة لتعزيز شرعية السلطة التي أرسى الجيش قبضته عليها بعد انقلاب عسكري، خصوصًا إذا لم ترافقها ضمانات واضحة لحياد المكتب وانفتاحه على كافة القوى المدنية والسياسية وأطراف النزاع.
توضح الدراسة التي نشرت في 17 أغسطس أن الاتحاد الأفريقي يملك اليوم فرصة لتعزيز دوره في الأزمة السودانية من مقر عملي ضمن العاصمة، بعيدا عن إدارة الملف فقط من عواصم إقليمية، ما يمكنه من متابعة التطورات السياسية والأمنية والإنسانية بكفاءة، وتسهيل التواصل مع قوى المجتمع المدني والنقابات والقيادات المحلية، والتنسيق مع المنظمات الإنسانية التي بدأت العودة إلى الخرطوم.
ورغم هذه المزايا، يواجه المكتب تحدياً حقيقياً في الفصل بين التعامل الضروري مع سلطة الجيش المسيطرة على العاصمة ورفض الاعتراف بشرعيتها السياسية، إذ يمكن أن تستغل سلطة الأمر الواقع عودة المكتب لترويجها على أنها اعتراف أفريقي بدولتها المعلنة.
يدعو المعهد للحفاظ على الحياد التام للاتحاد الأفريقي، مع ضرورة تفعيل قناة تواصل موازية مع قوى معارضة ومناطق خارجة عن سيطرة الجيش، لضمان شمولية العملية السياسية وعدم تحول وجود المكتب إلى استنزاف لثقة المجتمع المدني والأطراف الأخرى.
كما يوصي التقرير بأن ينتقل تركيز المكتب من أي حوار سياسي يعيد توزيع المناصب إلى أولويات إنسانية عاجلة تشمل وقف القتال، وحماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات، فضلاً عن محاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وفي ظل استمرار النزاع وتعدد مبادرات الوساطة، يشكل وجود الاتحاد الأفريقي في الخرطوم اختبارًا حاسمًا لفعالية مساعيه، مع أهمية التنسيق بينه وبين مكونات الآلية الخماسية الأخرى، ضماناً لتحقيق سلام مستدام يستعيد فيه المدنيون زمام الحكم بعيداً عن صراعات السلاح والانقسامات.
في النهاية، تكمن القيمة الحقيقية لعودة الاتحاد الأفريقي إلى السودان في مدى تمكينه من دفع كافة الأطراف لبذل جهود جدية لوقف الحرب المستمرة، والحفاظ على استقلالية وحيادية مسار السلام، بما يعيد النظام الدستوري ويضع حدًا لمعاناة السودانيين المتواصلة.
