نيويورك تايمز: طالبان تسعى لعودة دبلوماسية واقتصادية لأمريكا في أفغانستان بدون تثبيت عسكري
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً مطولاً عن التحول الملحوظ في توجه حركة طالبان تجاه الولايات المتحدة، حيث تشير إلى أن طالبان التي أعادت السيطرة على أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي في 2021، تسعى الآن إلى عودة واشنطن إلى البلاد ولكن بصيغة مختلفة تماماً ومن دون وجود عسكري. وتستند الحركة إلى محاولة تحقيق توازن جديد في العلاقة عبر وجود دبلوماسي واستثماري بعيداً عن القواعد العسكرية التي كانت موضوع خلاف طويل. وأوضح التقرير أن وزير الخارجية الأفغاني، أمير خان متقي، دعا إلى إعادة فتح السفارة الأمريكية في كابل والحفاظ على التمثيل الدبلوماسي، مع التركيز على جذب الاستثمارات خصوصاً في قطاعات المعادن والبنية التحتية مثل المناجم والسدود والطرق. ويعرض متقي هذه الخطوة باعتبارها بداية “فصل جديد” في علاقات البلدين مبنية على الاحترام والتعاون عوض الصراع. وتربط الصحيفة هذا التوجه بمحاولة أوسع من طالبان للخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها بتعزيز العلاقات مع روسيا ودول آسيا الوسطى والدول الخليجية، وإبرام اتفاقيات تجارية، فضلاً عن التعاون مع بعض الدول الأوروبية حول ملف ترحيل المهاجرين الأفغان. وترى الصحيفة أن طالبان ترى في استعادة علاقة ما مع واشنطن إنجازاً دبلوماسياً كبيراً، خصوصاً مع إدارة ترمب التي تولي أهمية كبيرة للمصالح والصفقات التجارية. وتعمل طالبان على تقديم نفسها كسلطة قادرة على توفير الأمن والاستقرار والبيئة الجاذبة للاستثمار، رغم أن واشنطن لا تبدو مستعدة لتطبيع العلاقات بشكل كامل، بسبب قضايا مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان وخصوصاً القيود التي تفرضها الحركة على النساء والفتيات في التعليم. وتشير الصحيفة إلى رفض واشنطن مطالب طالبان السابقة مثل الحصول على قاعدة باغرام الجوية والسيطرة على الأسلحة الأمريكية التي تركت في البلاد، كما ترفض ملف المواطن الأمريكي المحتجز الذي تنفي طالبان احتجازه. وتشدد طالبان على أن عودة الوجود الأمريكي لا تعني عودة القوات العسكرية، موضحة أن الأفغان يرفضون أي وجود عسكري أجنبي على أراضيهم، ويركزون على عودة النشاط الدبلوماسي والاستثماري. ويوضح التقرير أن الجانب الاقتصادي يحظى بأهمية خاصة، إذ تملك أفغانستان احتياطيات ضخمة من معادن مثل الليثيوم والنحاس والحديد والعناصر النادرة التي تعتبرها الولايات المتحدة من المعادن الحيوية. وتقلل بعض الشخصيات الأمريكية أهمية هذا الملف كمدخل عملي لإعادة بدء الحوار، خصوصاً أن إدارة ترمب تستند إلى المصالح الاقتصادية. ويذكر أن الولايات المتحدة أنفقت مليار دولار سابقاً على تطوير الصناعات الاستخراجية الأفغانية دون جدوى. وفي الوقت الراهن، تعمل طالبان على توقيع اتفاقيات استثمار مع شركات دولية في قطاع التعدين، لتسخير ثروات البلاد لجذب رؤوس الأموال. ولا يقتصر انفتاح طالبان على الولايات المتحدة على الجانب الاقتصادي فقط، بل حققت تقدماً نسبيًا مع بعض الدول الأوروبية التي تتعامل معها بشكل أكثر براغماتية في ملف الهجرة وترحيل طالبي اللجوء، حيث جرت اجتماعات دبلوماسية مما يدل على تراجع في حالة القطيعة. ومع ذلك، لا يزال هذا الانفتاح محدوداً ولا يعني اعترافاً رسمياً بحكومة طالبان، كما تواجه قيادة الحركة مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بجرائم ضد الإنسانية. في واشنطن، بدأت تظهر أصوات تدعو لإعادة النظر في سياسة العزلة تجاه طالبان، معتبراً أن استمرار القطيعة قد يضر بالمصالح الأمريكية في ظل زيادة النفوذ الصيني والروسي في أفغانستان، ورؤية في وجود دبلوماسي أمريكي فرصة أكبر للتأثير في التطورات وتعزيز المصالح مع دول آسيا الوسطى. ويختم التقرير بمفارقة سياسية أوضحها الباحث حسن عباس، أن طالبان تسعى لعودة أمريكا بصيغة اقتصادية ودبلوماسية، في حين لا تزال الأخيرة مترددة بسبب التكلفة السياسية والأمنية، وأن أي انفتاح حقيقي يتطلب تغييرات في سياسات طالبان التي لا تبدو مستعدة لذلك في الوقت الراهن.
