الرايات السود في ليبيا: من السيطرة المسلحة إلى النفوذ الفكري بعد سقوط القذافي
في أعقاب سقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر 2011، شهدت ليبيا حالة فراغ أمني وانهيار المؤسسات ساعدت على ظهور جماعات مسلحة وتنظيمات متطرفة فرضت نفسها على مناطق عدة برفع الرايات السود، محاولة فرض رؤاها المتشددة على المجتمع الليبي. بدأت تلك المحاولات بهدم المزارات الصوفية والأضرحة في عدة مدن كطرابلس، مصراتة وزليتن بحجة مخالفة عقيدتهم، ما أثار إدانات محلية ودولية، منها تحذير اليونسكو. مع توسع الانقسام السياسي عام 2014، بسط تنظيم داعش وغيره من الجماعات المسلحة سيطرتهم العسكرية على مناطق في بنغازي ودرنة وسرت، حيث أقاموا محاكم شرعية نفذوا من خلالها عمليات جلد و إعدام وفرضوا قيوداً صارمة على النساء والسكان.
بين 2016 و2018 تمكن الجيش الوطني الليبي وقوات حكومة الوفاق من استعادة مدن سرت، بنغازي ودرنة، مما قضى على الوجود العسكري الرئيسي لهذه التنظيمات، لكن المشروع الفكري المتشدد واصل نشاطه عبر محاولات التغلغل في قطاع التعليم والخطاب الديني ومؤسسات الدولة، مثيراً جدلاً واسعاً. في 2021 شهدت ليبيا تجدد اعتداءات على المزارات الدينية، وأثار قرار 2022 السماح بإنشاء مدارس دينية تحت إشراف رسمي ردود فعل متباينة بين مؤيد ورافض لتمدد النفوذ الديني داخل التعليم.
شهد 2025 زيادة الجدل مع مواقف وممارسات لمسؤولين دينيين أثارت مخاوف من تدخل التيارات الإسلامية في مؤسسات الدولة، وتفجير ضريح “سيدي زلي” استعاد المخاوف من الإرهاب الرمزي ضد التراث الديني. في 2026 صدر قرار الفصل بين الجنسين في مؤسسات التعليم، وبعدها بث مقطع تنفيذ حكم جلد لامرأة في سبها أثار موجة استنكار وتحقيق رسمي.
تعكس هذه الأحداث استمرار تحديات التعامل مع أثر الجماعات المتشددة التي على الرغم من انتكاسها العسكري لا تزال مؤثرة فكرياً، وتعيد تسليط الضوء على أهمية ترسيخ سيادة القانون وتأمين استقلال القضاء، فضلاً عن تعزيز خطاب ديني معتدل لمنع إعادة تموضع هذه الأفكار المتطرفة في المجتمع، خاصة في مناطق الجنوب التي لا تزال تعاني من ضعف الأمن ونفوذ الجماعات.
ويؤكد خبراء سياسيون وقانونيون ليبيون، أنه بالرغم من رفض المجتمع الليبي للممارسات المتشددة، تبقى أولويات استكمال بناء المؤسسات والهيبة القانونية من أهم شروط منع عودة هذه التجارب المؤذية، بما في ذلك مراجعة الإطار القانوني وتنظيم قيادة تطبيق الأحكام القضائية بشكل واضح ومحاكمته من قبل سلطات الدولة المعترف بها.

اترك تعليقًا