جويل تيتلباوم: الحاخام الذي لعن المشروع الصهيوني من منطلق ديني وتاريخي
في عام 1887 وُلد جويل تيتلباوم في مدينة سيغيت التي كانت جزءاً من الإمبراطورية النمساوية المجرية. نشأ في عائلة حاخامية ذات تراث عميق في حركة الحسيديم اليهودية. أظهر منذ صغره قدرة فائقة على دراسة العلوم الدينية ويُعد واحداً من أبرز قادة اليهود الأرثوذكس في أوائل القرن العشرين.
بعد أن تولى زعامة الطائفة في ساتمار، تبنى موقفاً متشدداً رافضاً للحداثة والصهيونية، معتبراً الحزب الصهيوني حركة خارجة على تعاليم التوراة واليهودية الحقة. كان يؤمن بنصوص التلمود التي تحظر على اليهود الهجرة الجماعية القسرية إلى فلسطين قبل ظهور المسيح المخلص. في كتاباته، ولا سيما في “مقدمة في سفر فاجويل موشيه”، بذل جهداً لتفسير هذه النصوص كحجة مركزة تحذر اليهود من إقامة دولة صهيونية قبل الأوان.
اعتبر أن الحركة الصهيونية كانت بمثابة عصيان أوامر الله، ما أدى إلى عقوبات إلهية كان أعظمها المحرقة النازية التي استهدفت اليهود في أوروبا، إذ أن الصهاينة خالفوا الأيمان المنصوصة في التلمود، وبذلك جلبوا على أنفسهم وعلى باقي اليهود الذل والحرب. علاوة على ذلك، شكك في انتماء الصهاينة إلى بني إسرائيل الأصليين، معتبراً أنهم ينتمون إلى سلالة “إيريف راف” التي ظهرت في العهد القديم.
أثناء تصاعد معاناة اليهود الأوروبيين في الثلاثينيات، لم يلين موقف تيتلباوم ولم يخفف من نقده للحركة الصهيونية؛ بل ساهمت آراؤه في تأصيل معارضة دينية عميقة لها، لا تعتمد على السياسة بل على اعتبارات لاهوتية صارمة. وهو ما يجعل شخصية جويل تيتلباوم وحججه تمثل أهمية خاصة في فهم جذور المعارضة الدينية للصهيونية داخل المجتمع اليهودي وكيف أن التوراة نفسها تأسست عليها حجج دينية مضادة لفكرة إسرائيل الكبرى وأوهام أرض الميعاد.
موقف تيتلباوم يجسد أحد أبرز الأصوات الدينية التي تحدّت المشروع الصهيوني، مؤكداً أن إيمان أرثوذكسي صارم لا يجيز إقامة دولة يهودية قبل زمن المسيح، مما يصعب الاستناد إلى التوراة كمبرر لسياسات التوسع الإسرائيلية التي تعتمد على هذا النص ديني. وخلفية تيتلباوم الفكرية وتاريخه يجعلانه مرجعاً مهماً لفهم أبعاد الصراع حول الفلسطينيين ودولة إسرائيل من منظور ديني داخلي يختلف عن الخطاب السياسي والعلمي السائد.

اترك تعليقًا