الذهب السوداني: شريان حياة للملايين ووقود للصراع في ظل الحرب
يشكل الذهب في السودان شريان حياة أساسي لملايين المواطنين، خاصة في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ عام 2023. ويعمل في قطاع التعدين الأهلي نحو 3 إلى 5 ملايين شخص، يعيلون بدورهم 15 مليون نسمة، مما يدل على أهميته الاجتماعية والاقتصادية. قبل الحرب، كان التعدين مستقراً وكانت هناك شركات مثل الشركة التركية التي توفر قنوات تسويق منظمة، لكن مع اندلاع النزاع، تغير الوضع بشكل جذري. نزح آلاف الأشخاص إلى مناطق التعدين، مما زاد من حجم الإنتاج لكنه أيضاً زاد الضغط على الموارد، وظهرت مستويات عالية من التعقيدات خاصة في تسويق الذهب بسبب توقف شركات التصدير ومن ثم ارتفاع تكاليف التشغيل، خاصة الوقود والمعدات.
على الرغم من استمرار التعدين في بعض المناطق, إلا أن مناطق النزاع مثل دارفور وكردفان شهدت تعطلاً واضحاً. وارتفعت حوادث انهيارات الآبار نتيجة ضعف إجراءات السلامة وعدم توفر الحماية الكافية للمعدّنين. تشير التقديرات إلى إنتاج سنوي يقارب 80 طنًا من الذهب، بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، ما يجعل الذهب ثروة مركزية في دعم الاقتصاد السوداني وأيضاً في حسابات الصراع على النفوذ.
ويلعب الذهب دوراً في تغذية الصراع السياسي، فقبل وأثناء الحرب، استغلت قوات الدعم السريع وجزء من الجيش شبكات تعدين الذهب والتجارة لتحقيق مكاسب نفوذ، بينما يسيطر القطاع الأهلي على الجزء الأكبر من الإنتاج. وتتعقد الصورة بفعل عمليات التهريب التي تسحب حوالي 80% من الذهب إلى الخارج عبر طرق غير رسمية، خاصة عبر مصر وتشاد، لتصل إلى أسواق في الإمارات وإيطاليا. وهذا التهريب لا يقتصر على فقدان عوائد الدولة فحسب، بل يثير مخاوف حقوقية وبيئية بسبب غياب الشفافية والرقابة.
تؤكد التقارير أن الذهب أصبح من الموارد الاقتصادية والاجتماعية التي تعول عليها الطبقات الفقيرة والمتضررو من الحرب، بينما يشكل غيابه تهديداً مباشراً لتفاقم الأوضاع المعيشية وأزمات الجوع والفقر، مما قد يؤدي لمزيد من النزوح واللجوء. ويشير خبراء إلى أن التعدين الأهلي رغم بساطته الفنية وحاجته لتنظيم أفضل يظل خياراً استراتيجياً للاستقرار والحياة لأعداد كبيرة في السودان، خصوصاً بالنظر إلى تراجع القطاعات الصناعية والزراعية.
يزداد تعقيد المشهد بسبب تحكم دول إقليمية مثل مصر والإمارات في مسارات تصدير الذهب، مما يجعل تجارة الذهب السوداني جزءاً من الصراعات الاقتصادية الجيوسياسية في المنطقة. وتراقب منظمات حقوقية دولية تدفقات الذهب والتهريب، محذرة من دخول مواد معدنية مرتبطة بانتهاكات جسيمة بحق الإنسان والبيئة على الأسواق العالمية.
تتزايد الحاجة إلى تدابير أكثر صرامة وتنظيماً لقطاع التعدين في السودان ليضمن جهات الدولة السيطرة على الموارد ويحقق استغلالاً عادلاً للذهب، ينعكس على توفير حياة كريمة. كما أن تحسين السلامة وتوفير الدعم للمعدّنين يمكن أن يحد من المخاطر، في ظل استمرار الحرب التي تجعل من الذهب نقطة مضيئة لكنها محفوفة بالمخاطر والنزاعات.

اترك تعليقًا