أوروبا تستعيد التجنيد الإجباري لتعزيز قواتها مع تصاعد التهديدات العسكرية
أيّدت الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ فبراير 2022، إعادة النظر في هيكلية الجيوش الأوروبية وأسلوب تشكيلها، مؤكدة أن الحروب البرية واسعة النطاق لم تختفِ كما كان يُعتقد سابقاً بعد انتهاء الحرب الباردة. شهدت العقود الأخيرة تقليصات كبيرة في الجيوش الأوروبية، مع تعليق أو إلغاء التجنيد الإجباري في معظم الدول، والتركيز على جيوش صغيرة محترفة ذات تجهيزات تقنية متقدمة قادرة على تنفيذ عمليات خارج القارة، مثل حروب أفغانستان ومكافحة الإرهاب.
لكن الصراع في أوكرانيا عرّى هشاشة هذه الاستراتيجية، إذ أن الجيوش الحديثة تحتاج إلى قوة بشرية كبيرة قادرة على تحمل الاستنزاف في الحروب البرية الطويلة الأمد. استجابة لذلك، وضع حلف الناتو خططاً لحشد أكثر من 300 ألف جندي في أوروبا خلال 30-180 يوماً، مع تسهيل نقلهم إلى الجبهات من البلطيق حتى البحر الأسود.
دراسات معهد البحوث الإستراتيجية في فرنسا ومعهد كلينغندايل في هولندا بيّنتا فجوات كبيرة في القدرات الدفاعية الأوروبية وخصوصاً نقص القوى البشرية، وهو القيد الأبرز أمام إعادة بناء الجيوش برية المواجهة الكبرى. تعكس دراسات الرأي تزايد التأييد للتجنيد الإجباري في بعض الدول مثل فرنسا وألمانيا، بينما تبقى النسبة أقل في دول أخرى مثل إسبانيا وإيطاليا.
بعض الدول الأوروبية أعادت فرض التجنيد الإجباري مؤخرًا، ومنها ليتوانيا عام 2015، والسويد عام 2017 مع شمول الإناث، ولاتفيا عام 2024، وكرواتيا عام 2026. كما أطلقت دول كفرنسا وألمانيا برامج تطوع لتعويض النقص في العدة البشرية.
في ألمانيا، وضعت خطة لإدارة عبور ونشر ما يصل إلى 800 ألف جندي من قوات الناتو عبر أراضيها، ما يُظهر حجم التحول والجاهزية العسكرية التي تسعى إليها الدول الأوروبية لمواجهة التحديات المستقبلية. ورافق ذلك نقاشات ومؤتمرات عسكرية وأمنية حول ضرورة استعادة مفهوم «الجيش المواطن» والقوة الاحتياطية لمواجهة احتمالات الحرب البرية الممتدة.
يوضح هذا التحول أن أوروبا لم تعد تلقي بثقلها العسكري خلف عمليات خارج القارة فحسب، بل تستعد مجددا لسيناريوهات صراعات تقليدية خطيرة على أراضيها، في ظل تصاعد التوترات الأمنية مع روسيا وتهديداتها المحتملة حيال دول حلف الناتو بحلول 2030.

اترك تعليقًا