زيارة علي فالح الزيدي إلى واشنطن: ملفات الأمن والإيراني والدولار والطاقة في العلاقات العراقية الأمريكية
بعد أكثر من عقدين من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تتجه العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى مرحلة جديدة من التعاون والتوازن بين المصالح المشتركة والخلافات العميقة. تبدأ هذه المرحلة رسمياً مع زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة، حيث يُنتظر توقيع مذكرات تفاهم في مجالات النفط والغاز وجهود استقطاب الاستثمارات الأمريكية، وسط إطار من التوترات المتجددة مع إيران وضغوط واشنطن على بغداد للحد من نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران.
شهدت العلاقات الأمريكية العراقية تحولات جذرية منذ الغزو. فقد أسقط المحتل نظام صدام حسين بناء على مزاعم امتلاك أسلحة دمار شامل لم تُثبت، وبدأ حقبة من الاحتلال العسكري تلاها انتقال إلى شراكة استراتيجية. رغم الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية عام 2011، أعادت واشنطن قواتها عام 2014 لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية بعد سيطرته على مساحات شاسعة في العراق.
تتميز العلاقة بأبعاد أمنية واقتصادية معمقة، إذ يعتمد العراق على الدعم الأمريكي في مجال التدريب الأمني والإدارة المالية، خاصة من خلال إيداع عائدات النفط العراقية في حساب البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الأمر الذي يمنح واشنطن سلطة فاعلة على الموارد المالية العراقية.
في الجانب الأمني، تم الاتفاق في 2024 على خطة لإنهاء مهمة التحالف في العراق، مع استمرار الدعم للقوات العراقية ضمن التعاون الأمني الثنائي وتعزيز العمليات ضد تنظيم الدولة في سوريا انطلاقاً من الأراضي العراقية. هذا يتم وسط صراع غير مباشر مع النفوذ الإيراني المتصاعد الذي يتمثل في وجود فصائل مسلحة داخل العراق لها ارتباطات وطيدة بإيران.
الزيارة تأتي في ظرف يتنازع فيه العراق بين الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران، إذ تعتمد بغداد اقتصادياً واجتماعياً على طهران، لكنها تحتاج إلى واشنطن لدعم أمنها وجهود التنمية. وتعكس مذكرات التفاهم المنتظرة رغبة العراق في تطوير قطاع الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني، خصوصاً مع توافر احتياطيات نفطية وغازية ضخمة.
من الناحية السياسية، تؤكد الحكومة العراقية أهمية الحفاظ على التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة للحد من الفصائل المسلحة التي تشكل تحدياً مباشراً لسيادة الدولة العراقية، عبر ضغوط مالية وأمنية واضحة تشمل فرض عقوبات ومراقبة التحويلات المالية.
تترافق الزيارة مع استمرار ضغوط واشنطن على بغداد رغم أهمية العراق الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، باعتباره بوابة أمنية واستثمارية في الشرق الأوسط، في ظل تنافس دولي وإقليمي يشكل عراقا مستقرا وموحدا محورياً له. لذلك تعد زيارة علي فالح الزيدي محطة هامة تعكس محاولات إعادة صياغة الشراكة بين البلدين بما يخدم مصالحهما المتبادلة ويحد من الأزمات التي تعصف بالمنطقة.
